صفقة خضراء جديدة لأجل البشرية

التحول إلى أشكال أنظف من الإنتاج وأكثر إنسانية
22:39 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ماكس آجل
ماكس آجل هو باحث مشارك في المرصد التونسي للسيادة الغذائية والبيئة، وزميل ما بعد الدكتوراه في مجموعة علم الاجتماع الريفي في جامعة فاغينينغن.

يشهد العالم أزمات اجتماعية – بيئية، لا يمكن حلها بمنطق وسياسات الرأسمالية والإمبريالية، بل يجب التوجه إلى سياسة عالمية مختلفة ملتزمة بمراعاة الجوانب الإنسانية والبيئية بشكل يخدم البشرية والكوكب الذي نعيش فيه. يتناول هذا الكتاب الصفقات الخضراء، وكيف سيكون لتطبيقها تأثير هائل على حركة العالم الحالي.

أطلقت عضوة الكونجرس الأمريكي ألكساندريا أوكاسيو كورتيز في العام 2018، فكرة الصفقة الخضراء الجديدة في الوعي الشعبي. واستحضاراً للطموحات بعيدة المدى التي تحمل الاسم نفسه، فقد أصبحت كلمة مرور في العصر الحالي لأزمة المناخ العالمية. ولكن ما هي الصفقة الخضراء الجديدة ولمن؟

 يقدّم الكاتب ماكس آجل في هذا الكتاب لمحة عامة عن مختلف الصفقات الخضراء الجديدة السائدة. ومن خلال الانخراط مع مؤيديها، والأسس الأيديولوجية والقيود، يمضي في رسم بديل جذري: «صفقة جديدة خضراء للناس» ملتزمة بانخفاض النمو، ومعاداة الإمبريالية، والبيئة الزراعية.

يشخص الكاتب جذور الأزمة الاجتماعية - البيئية الحالية على أنها ناشئة من نظام عالمي يهيمن عليه منطق الرأسمالية والإمبريالية. ويرى بأن حل هذه الأزمة لا يتطلب سوى تحول في البنية التحتية والزراعة في شمال الكرة الأرضية، والتقارب الصناعي بين الشمال والجنوب.

 بعد المقدمة، يتكون الكتاب من جزأين: يتألف الجزء الأول بعنوان «رأس مال التحولات الخضراء» من ثلاثة فصول هي: انتقال كبير - أم حصن القومية البيئية؟؛ التغيير دون تغيّر: الحداثة البيئية؛ استخدام الطاقة وتراجع النمو والصفقة الجديدة الخضراء؛ الديمقراطية الاجتماعية الخضراء أم الاشتراكية البيئية؟ ويتكون الجزء الثاني بعنوان «صفقة خضراء جديدة للناس» من ثلاثة فصول هي: العالم الذي نرغب في رؤيته؛ كوكب من الحقول؛ مناهضة الإمبريالية الخضراء والمسألة الوطنية، وأخيراً الخاتمة.

 تأثير الرأسمالية 

 يقول الكاتب ماكس آجل: «إن تأثير الرأسمالية على موارد العالم يصبح أثقل، وهو الآن يتجاوز بشكل كبير قدرة الكوكب على تجديد نفسه. وهذا يشمل التأثير المادي، في المناجم الهائلة واستخدام الطاقة لعالم التكنولوجيا». يتحدث المؤلف عن نموذج شركة أمازون العملاقة التي يجد أنها ستحل المرتبة 70 على مستوى العالم لو كانت دولة من ناحية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، خاصة مع تقلص الحياة من حيث الطول والنوعية بسبب حرية التلوث، خاصة في جنوب الكرة الأرضية. ويعلق على ذلك: «تحتاج أمازون إلى وصول رخيص إلى المواد الخام التي تمثل المدخلات لآلاف من المناديل والأدوات اليدوية التي تتدفق من مصنع إلى عائلة، وتمزق العالم الذي نعيش فيه، وتحقق ربحاً كبيراً في جيوب الكوكب: بيزوس. أمازون تعتمد على إبقاء الفقراء في العالم الثالث فقراء، وغالباً لا يملكون أرضاً، وينزحون إلى الأحياء الفقيرة، ويجبرون على العمل في مصانع تنتج ما تبيعه أمازون».

 ويضيف: «صفقة خضراء جديدة تتخيل استبدال مركبات التوصيل التي تعمل بالنفط بتلك التي تعمل على بطاريات الليثيوم، والتي تتخيل اقتصاداً استهلاكياً مغلق الحلقة يعتمد على إعادة تدوير كل جزء من المعدن والبلاستيك واستبدال الغاز الطبيعي بمدعم من الطاقة النووية للدولة، يمكن أن تعمل مع نموذج أعمال أمازون والرأسمالية التي تناسبها. لن تكون هذه مشكلة على الإطلاق لبيزوس، على الأقل في المدى القصير. لكن الصفقة الجديدة الخضراء للناس القائمة على الوصول الشامل إلى الطاقة المتجددة، ومدفوعات الديون المناخية، والأماكن العامة غير السلعية، وتمويل الفنون، والمكتبات العامة على مدار 24 ساعة، والسيادة الغذائية في الجنوب والشمال على حد سواء من شأنها أن تعيث فساداً في سلسلة إمدادات أمازون. لأنه سيمكّن العمال ويقضي على الاستهلاك القسري، وسيقطع أجزاء ضخمة من احتياجات الناس عن دوائر التراكم الرأسمالي. فالانتقال إلى الإيكولوجيا الزراعية، أو«تطبيق المبادئ والمفاهيم البيئية لتصميم وإدارة النظم الإيكولوجية الزراعية المستدامة»، من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التفكك في هيكلة العالم الصديق لأمازون. في الجنوب، مثل هذه الخطة للانتقال الكوكبي العادل من شأنها أن تفكك النظام الرأسمالي الذي يعتمد على الاستغلال الفائق للعالم الثالث، واستخدامه كمكب للقمامة ومورّد للعمالة. ستصبح الصفقة الخضراء الجديدة للناس اشتراكية بيئية..».

يدور هذا الكتاب بشكل أساسي حول مناقشة الصفقة الخضراء الجديدة في الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن «الأهم من ذلك، أن كل ما تفعله النخبة السياسية الأمريكية أو لا تفعله يحدث ويؤثر في عالم غير متوازن بشكل حاد، من ميزانيات البنتاجون ودولار النفط الذي يترجم إلى حريق من السماء على أصحاب الحيازات الصغيرة، إلى قرار نزع السلاح، إلى سرعة تخفيض الانبعاثات. ومن التكنولوجيا المحملة بالكوبالت لبطاريات أساطيل السيارات الكهربائية التي تعتمد على استمرار التخلف وإبادة الكونغو التي غذتها الحرب للحفاظ على أسعارها الرخيصة، إلى قرار نقل سكان الولايات المتحدة بسرعة إلى وسائل النقل العام المكهربة والدراجات والعمل المحلي».

 تهدف الصفقة الخضراء الجديدة إلى تغيير الإنتاج المادي والقوة الاجتماعية وكيفية تفاعل البشر مع البيئة. والصفقات الخضراء الجديدة التي تسعى إلى مساعدة الدول الأخرى على التحول إلى أشكال أنظف من الإنتاج هي التي تكون أكثر ديمقراطية وإنسانية وعادلة، ولديها تحول عالمي إلى أشكال الزراعة الإيكولوجية القائمة على السيادة الغذائية وتجارة أقل بكثير كمحور لها، وتدافع عن الاقتصادات الديمقراطية المحلية المبنية على التقنيات المناسبة والتصنيع السيادي والسيطرة المحلية على الطاقة المتجددة، والتي تلبي احتياجات الإنسان.

 يوضح هذا الكتاب ما هو على المحك في مختلف الصفقات الخضراء الجديدة، والتي تتكيف وتعكس سياساتها، وكيف يمكن لكبار الرأسماليين العمل مع أو ضد «الصفقات الخضراء الجديدة» المتميزة. يقول الكاتب: «الأكثر جوهرية بالنسبة لكل صفقة خضراء جديدة في المجال الأوروبي الأمريكي، هي علاقتها بالرأسمالية والإمبريالية: هل هذه الأجندات لحكم الرأسمالية، أم لتدميرها؟ إذا كان الجواب هو الأول، فإن البراجماتية والواقعية يمكن أن تصبح خراطيم نارية تغمر في اليأس نيران الأمل الثوري. إذا كان الجواب هو الأخير، كما ينبغي أن يكون، فإن أسئلة «الواقعية» يجب رفضها باعتبارها مقاومة أيديولوجية للتمرد ضد أولئك الذين لا يأملون فحسب، بل يحتاجون، إلى عالم أفضل».

 صفقة كوكبية 

 عند التفكير في الصفقة الخضراء الجديدة على مستوى كوكبنا، يمكن لها أن تلبي متطلبات غالبية سكان الأرض، يجب أن نبدأ بمقترحات سابقة جاءت من غالبية دول العالم وكانت بمثابة محك لناشطي المناخ قبل أن يصبح مصطلح «صفقة خضراء جديدة» محلياً واختزالاً شائعاً لسياسة تغير المناخ. يعلق الكاتب: «يعيدنا هذا إلى أكثر من عقد نحو الوراء، عندما حدثت عملية شعب كوتشابامبا في بوليفيا، ووضع إطار عمل لمناقشات ديون المناخ. انبثقت العملية من نجاح عام 2009 لشعوب الجنوب. منعت الدول الراديكالية مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ من تبني اتفاق كوبنهاجن. رداً على ذلك، دعا إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، في يناير 2010، إلى«تنظيم استفتاء شعوب العالم بشأن تغير المناخ»، و«تحليل وتطوير خطة عمل للمضي قدماً في إنشاء محكمة العدل المناخية»، و«تحديد استراتيجيات للعمل والتعبئة للدفاع عن الحياة من تغير المناخ والدفاع عن حقوق أمنا الأرض».

 الكاتبة الكندية ناعومي كلاين كانت قد وصفت ذات مرة عملية كوتشابامبا ب«الرؤية الأكثر تحولاً وجذرية حتى الآن». استند اتفاق كوتشابامبا إلى«مشروع للإعلان العالمي لحقوق أمنا الأرض» الذي نص على أن«أمنا الأرض وجميع الكائنات لها الحق في جميع الحقوق المتأصلة المعترف بها في هذا الإعلان»، بما في ذلك: الحق في العيش والوجود؛ الحق في المعاملة بالاحترام؛ الحق في تجديد القدرات البيولوجية ومواصلة الدورات والعمليات الحيوية الخالية من التغيير البشري؛ الحق في الحفاظ على هويتهم وسلامتهم ككائنات متمايزة ومنظمة ذاتياً ومترابطة؛ الحق في الماء كمصدر للحياة؛ الحق في تنقية الهواء؛ الحق في الصحة الشاملة؛ الحق في أن تكون خالية من التلوث ومن النفايات السامة والمشعة؛ الحق في عدم التعرض للتغييرات أو التعديلات في بنيتها الجينية على نحو يهدد سلامتها أو أدائها الحيوي والصحي؛ الحق في الاسترداد الفوري والكامل لانتهاكات الحقوق المعترف بها في هذا الإعلان والتي سببتها الأنشطة البشرية.

 ويضيف الكاتب:«سيتم حظر أشكال التطوير التي تتخلص من المخلفات في الخزانات، وتملأ الهواء بالنفايات وثاني أكسيد الكربون، والطاقة النووية، والعبث الجيني المتعمد، والتعدي على الاستقلال الثقافي، وربما قبل كل شيء، العمليات الصناعية التي تنتشر وتتجاوز قدرات المناطق الأحيائية للمعالجة. تنص الوثيقة على: في ظل الرأسمالية، تتحول أمنا الأرض إلى مصدر للمواد الخام، ويتحول البشر إلى مستهلكين ووسيلة إنتاج، إلى أناس يُنظر إليهم على أنهم ذوو قيمة فقط لما يمتلكونه، وليس لما هم عليه. تتطلب الرأسمالية صناعة عسكرية قوية لعمليات التراكم وفرض السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية، وقمع مقاومة الشعوب. إنه نظام إمبريالي لاستعمار الكوكب».

 وتدافع الوثيقة عن الأشكال المتشابكة للتعويض: إعادة مساحة الغلاف الجوي التي تشغلها انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى البلدان النامية، وهذا يعني إنهاء استعمار الغلاف الجوي من خلال خفض وامتصاص انبعاثاته؛ تحمل التكاليف واحتياجات نقل التكنولوجيا للبلدان النامية الناشئة عن فقدان فرص التنمية بسبب العيش في فضاء جوي محدود؛ تحمل المسؤولية عن مئات الملايين من الناس الذين سيضطرون إلى الهجرة بسبب تغير المناخ الذي تسببه هذه البلدان، والقضاء على سياسات الهجرة التقييدية، ما يوفر للمهاجرين حياة كريمة مع ضمانات كاملة لحقوق الإنسان في بلدانهم؛ تحمل ديون التكيف المتعلقة بتأثيرات تغير المناخ على البلدان النامية من خلال توفير الوسائل لمنع وتقليل ومعالجة الأضرار الناشئة عن انبعاثاتها المفرطة؛ الوفاء بهذه الديون كجزء من دين أكبر لأمنا الأرض من خلال اعتماد وتنفيذ إعلان الأمم المتحدة العالمي بشأن حقوق أمنا الأرض.

اتفاقية كوتشابامبا

 هذه هي البنود الرئيسية لمنصة جنوبية للثورة البيئية، وهي تذهب إلى ما هو أبعد من المناخ، لحماية أمنا الأرض ككل، بما في ذلك مخلوقات مثل الحشرات التي تواجه تهديدات هائلة، فهي وسيلة لإدراج الجنوب في انتقال عادل. وهي غائبة أو تم التقليل من شأنها في معظم الصفقات الخضراء الجديدة في الشمال. وإذا كان أي برنامج للصفقة الخضراء الجديدة عبارة عن أجندة شاملة لحكم المجتمع، فإن من يتم تضمينه في أي منصة، ومن يتم استبعاده سيحدد من يهم ومن يجب أن تحترم إنسانيته الكاملة. الحق في الحياة هو مطلب ضخم يمتد من الدعوات لإلغاء الديون البيئية، إلى كل الأشياء اللازمة للعيش - التحرر من القنابل والوصول إلى الغذاء والمأوى الوفير.

 لا يشكل هذا الاتساع عقبة أمام عملية تغيير أوسع. بدلاً من ذلك، فإن اتفاقية كوتشابامبا هي تذكير بأنه من أجل خلق عالم يكون فيه الجميع مهماً، نحتاج إلى أن نضع نصب أعيننا آفاقاً ثورية. كيف يمكن لمثل هذه المطالب الراديكالية أن تتواصل مع الصفقة الخضراء الجديدة في جوهرها، والتي تسير الآن على المسار الصحيح - ولكن ليس من الضروري أن تكون - نخبوية، وانفصالية، وإقصائية؟ لا تحتاج الصفقة الخضراء الجديدة إلى أن تصبح أسيرة التخلف أو التبادل غير المتكافئ بيئياً أو التخصيص التاريخي لأحواض الكربون. لا يلزم وضع الصفقة الخضراء الجديدة على حدود ممتلئة بالأسلاك الشائكة وأجهزة استشعار الحركة. ولا يجب أن تهدف وثيقة الصفقة الخضراء الجديدة إلى كبح جماح الرأسمالية بدلاً من كسرها، أو مليئة بنصائح سياسة تكنوقراطية مراوغة جادة، ودليل سياسة الجيب الخلفي للرأسماليين إذا استمر هذا الشر متعدد العناصر ضد الإنسانية في إعادة تكوين رؤوس جديدة بشكل أسرع مما يمكن لقوى القمع أن تقطع رأسها. لسوء الحظ، فإن الكثير من التنازلات الحالية على الصفقة الخضراء الجديدة تقبل مثل هذه التنازلات باسم البراجماتية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
أندريا غيزيلي
2
أندرياس مالم ومجموعة زيتكين
1
أنتوليو جوزيف إتشيفاريا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
مارينا برنتوليس
1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا
1
ستيفانو بالومبارين وبرونو أمابل
1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل
1
دونالد ساسون
1
بول جي.هاريس
https://tinyurl.com/2d4kw3wj