مارلين سلوم
ليس عيباً أن تعود عن خطأ ما، وتحاول تعديل الصورة، وتصحيح المفاهيم، ففي السينما لا يفوت الأوان أبداً، حتى لو كان حجم الخطأ بحجم زراعة فكرة عنصرية أو لا إنسانية في عقول أجيال، وأجيال. هذا ما تفعله شركة «ديزني» منذ أن قررت إعادة تقديم أفلامها وأساطيرها القديمة بشكل متطور ومختلف، ومنذ تحويل أفلام الكرتون إلى شخصيات من لحم ودم.
تغيير أو تعديل بسيط لكنه ملحوظ «تؤنسن» فيه «ديزني» شخصية «كرويلا دي فيل» المشهورة التي كانت متهمة منذ ظهورها في رواية عام 1956 بمعاداتها للحيوان، حيث تقتل الكلاب «الدلماسية» لتصنع من جلدها معطفاً. «كرويلا» المعروض في الصالات هو نسخة مختلفة ومتطورة من «101 دلمايشن» ويستحق المشاهدة.
كل الأطفال وأهاليهم طبعاً يعرفون أن «كرويلا» هي «الشريرة» الشرسة التي تسرق الكلاب المرقطة الجميلة، لتصنع منها معاطف وفراء، وتحافظ على مظهرها الفريد بالأبيض والأسود، وشعرها مقسوم أيضاً نصفه أبيض ونصفه الثاني أسود. هذه الشخصية رسمها المؤلف دودي سميث عام 1956 ضمن روايته «101 كلب مزركش»، وحوّلتها شركة «ديزني» إلى فيلم كرتون بنفس الاسم عام 1961، ثم شاهدناها فيلماً بشخصيات حية عام 1996 بطولة النجمة جلين كلوز وجيف دانييلز إخراج ستيفن هيريك. لكن هذه المرة أرادت الشركة أن تجمل من صورة «كرويلا» فيحبها الجمهور، ويجد مبرراً لطباعها الشرسة والعنيفة، بل تصير محبوبة وصاحبة حق، وتكسب ودّ المشاهدين وتعاطفهم معها، فيسعدون برحلة انتصارها وانتقامها بعد العذاب الطويل والشقاء. والأهم والمفاجئ في الفيلم أن صنّاعه عدّلوا شخصية البطلة فصارت هي الضحية، وظهرت بريئة من تهمة سرقة وقتل الكلاب الدلماسية، ليتبين أنها صديقتها، وقد استوحت منها شكل ولون جلدها الأبيض المرقط بالأسود، فصنعت لنفسها موضة خاصة بها وملابس من جلد «صناعي»، خصوصاً أن «كرويلا» مولودة بالأساس بشعر نصفه أبيض ونصفه أسود.
ذكاء وتمرد
تنطلق الأحداث من لحظة ولادة استيلا «الطفلة الغريبة» بشكلها وطباعها، خارقة الذكاء المتمردة الجريئة، بل «المشاغبة» التي ترفض الانصياع وتجنب المشاكل التي يسببها لها الآخرون، حتى لو دفعت الثمن، وطُردت من المدرسة. متعة تمتد ساعتين و14 دقيقة، ومنافسة قوية في التمثيل بين نجمتين حائزتين على «الأوسكار»، وكلتاهما تحمل الاسم نفسه: إيما ستون بدور «استيلا»، و«كرويلا»، وإيما تومسون بدور البارونة صاحبة أشهر دار أزياء. المخرج كريج جيلسبي أجاد اختيار الممثلين لفيلم غني بالاستعراض والأزياء والموسيقى وأغاني «البوب» التي راجت في الستينات والسبعينات، وقد بلغت كلفة العمل 200 مليون دولار وتم تصويره في لندن.
ومن الواضح أن «ديزني» لم تتبن الرواية الأصلية فقط، بل أرادت أن تضيف عليها لتجعل من بطلة قصة المؤلف سميث كرويلا إحدى بطلاتها الخاصة، فجمعت فريقاً من المؤلفين لكتابة حكاية هذه المصممة «الشريرة» منذ ولادتها، وربما تهيئ لأجزاء لاحقة، خصوصاً أنها كرست هذا الفيلم ل«كرويلا» فقط، منذ ولادتها مع مقاطع سردية بصوتها تحكي فيها عن نفسها، وينتهي الفيلم من حيث يبدأ الفيلم المعروف «101 دلمايشن». كتب العمل ألين بروش ماكينا، كيلي مارسيل وستيف زيسي، وكتب السيناريو كل من دانا فوكس وتوني مكنمارا.
«استيلا» طفلة مختلفة ومشاغبة، تتسبب بالمشاكل لوالدتها فتقرر الذهاب بها إلى لندن لرؤية «شخص عزيز»، كما تقول لها، فإذا بها تراها تُقتل أمام عينيها، فتضطر «استيلا» إلى الهروب حيث تلتقي بطفلين تتبعهما، وتصير مثلهما مشردة ولصّة. سريعاً يكبر الثلاثي فتصير «استيلا» صبية جميلة (إيما ستون) تخفي شعرها الأبيض والأسود بشعر مستعار، وجاسبر (جويل فري) وهوريس (بول والتر هاوزر). «استيلا» موهوبة بالرسم وتصميم الأزياء، يجد لها جاسبر فرصة للعمل لدى دار أزياء «ليبرتي»، لكنها لا تجد من يقدر موهبتها ويحولونها إلى عاملة نظافة، حتى تقوم بتغيير شكل الثوب المعروض في الواجهة خلسة، ومن حسن حظها يصادف مرور ملكة عارضي الأزياء البارونة (إيما ستون) فترسل بطلبها لتضمها إلى فريق عملها.
حقائق خطيرة
حسبت «استيلا» أنها بدأت بتحقيق أحلامها، لكن العمل مع البارونة يقودها إلى أن تكتشف حقائق مهمة وخطيرة تغير حياتها بشكل كلي، وتجعل من «استيلا» مصممة أزياء تطلق خطاً خاصاً بها باسم «كرويلا»، فتثير فضول الناس والصحافة، وتثير غضب البارونة التي تكره أن يسبقها أحد في عالم الموضة. المثير في القصة أن «استيلا» تعمل في النهار لدى البارونة بشكل وشخصية المصممة الطيبة الخجولة ذات الشعر الأحمر والنظارات والملابس السوداء، بينما تظهر في المساء وفي المناسبات المهمة بشخصية «كرويلا» الغامضة القوية.
يمهد الفيلم الطريق أمام الفتاة ويمنحها كل المبررات كي نغفر لها تحوّلها من طيبة إلى شريرة، ونصفق لها كلما ابتكرت طريقة وحيلة تنتصر بها على البارونة. حتى الاسم الثاني الذي تختاره لنفسها «كرويلا» وجد له صناع الفيلم تفسيراً يلطف من حدته كي يكتمل الشكل التجميلي للشخصية، كرويلا «دي فيل» والمفروض أن يكون موصولاً «ديفيل» ويعني الشيطان، لكن في هذا الفيلم جعلوه من كلمتين ومستوحى من اسم سيارة أعجبت «كرويلا».. إيما ستون لا تهدأ طوال الفيلم، تنتقل من الخير إلى الشر بالبراعة نفسها، وتنتقل من تصميم الأزياء إلى تصميم الخطط الجهنمية، مفعمة بالحيوية، شديدة الليونة، لا يمكنك ألا تتعاطف معها وتحبها حتى وهي في قمة غضبها.
تعاطف
ما يجعل الجمهور شديد التأثر والتعاطف مع البطلة، أنها تفيض بالمشاعر، تبكي وتشكو آلامها وتتحدث إلى «روح أمها»، وتشق طريقها بنفسها وتستحق النجاح الذي تصل إليه لأنها موهوبة. تقبلها إيما واتسون بأداء عال أيضاً، بشخصية شديدة الكره والغرور والعجرفة. وما يزيد من جمال هذه المباراة بين البطلتين، الذكاء في الكتابة، حيث تكثر المفاجآت ولا يبقى الفيلم على وتيرة واحدة، ولا يهدأ إيقاعه. هناك إبهار في أفكار التصاميم، مثل حياكة ثوب من اليرقات، وآخر من المخلفات ترتديه «كرويلا» وتقدم استعراضها وهي فوق عربة نفايات، ومع كل سهرة، أو حفلة، أو عرض لأزياء البارونة، تفاجئنا «كرويلا» بعرض مبهر وجميل وحيوي.
كثيرة التفاصيل في الفيلم، ولا يمكن التوقف عندها كلها، أو سردها، ورغم النواحي الجمالية فيه إلا أن هناك نواحي تشرد فيها القصة عن مسارها الأصلي، فتنسى أن للبطلة علاقة بالقصة الأصلية «101 دلمايشن»، لولا اللونان الأبيض والأسود والكلاب الدلماسية المرقطة. يسير الفيلم باتجاه أفلام المراهقين حيث تتسبب الظروف بتحويل طفل طيب إلى مراهق شرير رغماً عنه، كي يثأر، أو يجد لنفسه مكاناً وسط «الوحوش» في المجتمع، فيتحول عن مسار القصص الخرافية بلا مبرر.
[email protected]