التجسّس قرين السياسة

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

لم يكن مفاجئاً تفجر فضيحة التنصت الأمريكية على مسؤولين أوروبيين، بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الحالي فرانك فالتر شتاينماير، عندما كان وزيراً للخارجية. فمنذ القدم كان التجسس قرين السياسة، واستخدمته الدول للحفاظ على مصالحها ومساعدتها على رسم خطط تعاملها مع الآخرين سواء كانوا أعداء أو أصدقاء.
  بالنسبة إلى الأوروبيين كان الكشف عن هذه الفضيحة صادماً لأسباب عدة، منها أن المستهدفين من أقرب حلفاء واشنطن الخلّص، وأن العملية تمت بين 2012 و2014 في عهد إدارة الرئيس الأسبق الديمقراطي باراك أوباما، والمؤلم أيضاً أنها جرت بتواطؤ من الدانمارك، وكل هذه الدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي الذي يفترض أنه مظلة أمنية وعسكرية لكل الشركاء. الثابت أن هذه الفضيحة ليست كل الحقيقة، ولكنها «قمة جبل الجليد» لأن الواقع أفظع من ذلك بكثير، خصوصاً في السنوات القليلة الماضية عندما اعتلى سدّة البيت الأبيض الجمهوري دونالد ترامب، ودخل في خلافات علنية مع الاتحاد الأوروبي وصلت إلى «حروب تجارية» وتباينات حادة حول التعامل مع القضايا الدولية. ولا شك أن عمليات التجسس لم تغب عن تلك المعارك، وقد لا يمضي وقت طويل حتى تنكشف فضائح بهذا الشأن.
  ما يصل إلى وسائل الإعلام لا يضاهي ما يتم التعامل معه عبر القنوات الدبلوماسية والأطر الأمنية والاستخبارية، ولكن في الغالب يتم التعامل معه على أساس أنه من ضرورات المصالح الذاتية للدولة وإجراءات سرية لا ينبغي الكشف عنها. أما إذا تسرب شيء إلى الرأي العام، فذلك دليل أزمة ما ودخان يحجب مصدر النار. صحيح أن العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تحالفية وتوافقية على جملة من القيم والأهداف سياسياً، ولكنها أيضاً علاقة تنافسية في الاقتصاد والنفوذ والمصالح تتطلب أمناً وإجراءات حماية، وهذه تقتضي أساليب محددة في التعامل منها التجسس وتقصي المعلومات والأسرار عن العدو والحليف على السواء.
   في الفترة الأخيرة نشطت أساليب التجسس، بعدما اقتحمت الميدان قوى جديدة بوسائل مبتكرة استخدمتها بمهارة عالية في الحروب الإلكترونية التي أصبحت أكبر تهديد للأمن السيبراني. وكثيراً ما يتم تناول هذه القضية بالحديث عن الصراع بين الشرق والغرب، بين روسيا والصين في مقابل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، بل يمكن القول إن أجهزة الاستخبارات والتجسس تعمل بأقصى طاقتها في هذه المرحلة بدليل هذا التوتر الدبلوماسي الكبير، والاستعراض المتبادل للقوة مع الغمز واللمز والتهديدات المبطنة. 
  العلاقة بين ضفتي الأطلسي ليست راكدة ورتيبة، بل هي حية ومتحركة وفيها الكثير من التباينات، وفضيحة التجسس المعلنة تؤكد ذلك، وتبرهن أن هذه الدول جمعتها المصلحة والضرورة السياسية، ولذلك لا يمكن التهوين من الأصوات الأوروبية، والفرنسية أساسياً، المطالبة بالاستقلال الأمني عن الولايات المتحدة وبناء قوة عسكرية تضع مصلحة القارة أولاً، وقد تجددت هذه المطالب بعد هذه الفضيحة التي جاءت في وقت حساس ومرحلة صعبة لجميع الأطراف.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"