عادي

مالي.. انقلاب آخر وليس الأخير

22:13 مساء
قراءة 4 دقائق
1

إعداد- بنيمين زرزور:

لم يعد سماع خبر الانقلابات العسكرية في الدول الفقيرة خاصة الإفريقية، يثير الكثير من الاستغراب في الوقت الذي تواجه الدول الكبرى والغنية صعوبات اقتصادية تعمق أزماتها السياسية وتطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى الأنظمة الديمقراطية وغيرها.

بعد حوالي شهر واحد من مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي في مواجهة مع المتمردين، وأقل من عام على انقلاب أغسطس/آب الماضي على الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا، يُسقط الجيش رئيس مالي المؤقت وسط تطورات متلاحقة في دول شمال الصحراء الإفريقية يختلط فيها حابل مكافحة الإرهاب مع نابل الحركات الإسلامية والفوضى والفساد، ما يجعل استقرار المنطقة، وربما القارة بأكملها على كف عفريت.

 ويميل المحللون إلى تحميل تبعات تفشي الوباء على اقتصادات القارة مسؤولية ما يعانيه شعب مالي وغيرها من الدول الفقيرة من شظف العيش، فضلاً عن غياب العدالة وتفشي الفساد والمحسوبيات، إلا أن جذور الفوضى تمتد إلى عقود من الزمن وسط تكالب دولي على موارد المنطقة وغياب التنظيمات السياسية المحلية ومعها الحكومات القادرة على تطوير مشاريع التنمية بحيث تضمن حداً أدنى من الاستقرار السياسي.

 وعلى الرغم من التاريخ الطويل من الاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها مالي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، حيث شهدت خمسة انقلابات نقلتها من حكم عسكري إلى آخر، تخللتها فترات من الحكم المدني صاحبها اضطرابات وحروب أهلية، فإن تفاعل الأطراف الإقليمية والدولية بدءاً من التدخل العسكري الفرنسي عام 2013، ثم مساعي المجموعة الخماسية التي ضمت مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد لضمان الاستقرار، يكشف عن الأهمية الاستراتيجية لهذه الدولة التي ليس لها حدود بحرية.

الانقلابات العسكرية

 ولا يختلف الانقلاب الأخير عن غيره من الانقلابات العسكرية، حيث اعتقل ضباط من جيش مالي الرئيس باه نداو ورئيس الوزراء مختار عوان ووزير الدفاع سليمان دوكوريه في الحكومة المؤقتة، وتم نقلهم إلى قاعدة عسكرية في كاتي خارج العاصمة باماكو، بعد ساعات من الإعلان عن تعديل في الحكومة تم فيه استبدال اثنين من أفراد الجيش.

وبعد يومين أعلن أحد مساعدي قائد الانقلاب في مالي الكولونيل، أسيمي جويتا، الذي تم تسميته رئيساً مؤقتاً يوم الجمعة الماضي، أن الرئيس المالي ورئيس الوزراء استقالا بحضور وفد دولي جاء بعد الانقلاب للتحكيم والاطلاع على تطورات الأوضاع ومحاولة التسوية، ووعد بالإفراج عنهما قريباً.

 وكان نداو وعوان مكلفان بالإشراف على مرحلة انتقالية تستمر 18 شهراً للعودة إلى الحكم المدني بعد انقلاب أغسطس(آب) الماضي، لكن كثيرين في الحكومة والمعارضة يشعرون بالقلق حيال استيلاء العسكريين على أهم المناصب في الدولة. 

 ولا يزال الوضع في مالي ينذر بالكثير من المخاطر بسبب الفوضى التي تشهدها دول المنطقة، حيث تنشط منظمات متعددة المشارب معظمها مصنف على قائمة الإرهاب عالمياً، في غياب دولة قوية قادرة على لجم تحركات تلك المنظمات، رغم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من دول الغرب تحت بند مكافحة الإرهاب.

 حركة «أزواد»

 ومعلوم أن الصراع في مالي بين الشمال والجنوب ليس جديداً وتغذيه الخلافات الإثنية والاتهامات المتبادلة بالفساد. وقد اندلعت مواجهات بين متمردي الشمال والحكومة المركزية منذ عام 2012 أسفرت عن توافق على منح منطقة «أزواد» في الشمال، حكماً ذاتياً بعد الإطاحة بالرئيس أمادو توماني توري، آنذاك واستيلاء المتمردين على عدد من المدن الشمالية منها تمبكتو وكيدال. 

 والحقيقة أن نجاح حركة تحرير «أزواد» لم يكن ليتم بدون دعم الحركات الإسلامية يومذاك والتي صنفت فيما بعد بأنها إرهابية، مثل حركة «أنصار الدين» والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي- فرع الصحراء التي كانت تنشط في الجزائر.

وتجد تلك التنظيمات في شمال مالي الميدان المناسب والبيئة الخصبة التي توفر ظروف التخفي في مواجهة الجهود والمتابعة الأمنية الدولية، كما أنها منطقة صحراوية قاحلة يصعب على الجيوش النظامية اقتحامها.

 ويثير النزاع والتنافس السياسي المحتدم والمتواصل في مالي، شكوكاً حول دوافع وأهداف القوى الخارجية وتضارب مصالحها. وقد أثار التدخل العسكري الفرنسي عام 2013 بحجة حماية حكومة الجنوب، كثيراً من الأسئلة حول أهداف التدخل الخارجي في دول القارة ذات الموارد الطبيعية الضخمة.

 وتخفي الأهداف المعلنة للدول المتنافسة ومنها مكافحة الإرهاب ومشاريع التنمية وإعادة الإعمار، نوايا خبيثة خاصة فيما يتعلق بالاستيلاء على الثورات الطبيعية بعد اكتشاف كميات ضخمة من اليورانيوم والنفط والغاز والنحاس والفوسفات والبوكسيت والذهب. 

واحتلت مالي المرتبة الثالثة إفريقياً من حيث حجم إنتاجها من الذهب عام 2018 حيث تجاوز61 طناً وارتفعت صادراتها منه بنسبة 15% لتصل قيمتها إلى 2.4 مليار دولار.

 وبوجود كل هذه الاحتياطيات المعدنية الكبيرة، لا تزال مالي واحدة من أفقر الدول الإفريقية، إذ يقول صندوق النقد الدولي، إن نسبة من هم دون خط الفقر في البلاد بلغت 42 في المئة عام 2019.

 ولا تزال مالي تعاني من الأزمات السياسية والأمنية والفشل الاقتصادي المتواصل، وذلك بسبب تزايد نفوذ القوى الخارجية فيها. ونتج عن تلك التعقيدات اتساع رقعة انتشار الجماعات المتطرفة والإسلامية.

تنظيم القاعدة

 ولا تلوح في الأفق بوادر تطور إيجابي سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي خاصة مع تزايد أنشطة «تنظيم القاعدة في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المالية وبين الانفصاليين الطوارق الذين زادت أعدادهم عن أربعة آلاف مسلح مزودين بسيارات الدفع الرباعي والأسلحة المتطورة. وبدأت الحرب تأخذ أبعاداً أخرى مع ظهور تنظيمات إسلامية مقاتلة استولت على أجزاء من الأرض، وأصبح الطريق سالكاً أمامها نحو مدن الجنوب.

 وترتبط تلك التنظيمات مع حركات جهادية أخرى منتشرة في دول الجوار ومنها بوركينا فاسو ونيجيريا منها تنظيم«التوحيد والجهاد»، وحركة«بوكوحرام» التي تزداد سطوتها في الكثير من المناطق وتستغل ضعف الحكومات المركزية وتراجع الدعم الغربي في ظل الضائقة التي نتجت عن مواجهة وباء كورونا في الدول الغربية.

 وفي ظل تراخي الاهتمام العالمي بالتطورات التي تجتاح المنطقة يبقى الباب مفتوحاً على مزيد من المفاجآت غير السارة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"