عادي

العدالة الاجتماعية.. نجاة من الصراع الطبقي

حقوق الإنسان من القرآن والسنة
23:40 مساء
قراءة 4 دقائق

يتجلى التكافل والعدالة الاجتماعية في أرقى صورة، وهي الزكاة التي فرضها الإسلام على الأغنياء، وجعل للفقراء حقاً مكفولاً في أموالهم. وعندما يأخذ الإسلام من الفرد الغني ليعطي المحتاج فإنما يحول دون الصراع الطبقي، ففي الإسلام يجب ألا يكون هناك فقير معدم، ولا غني مستغل.

العدل الاجتماعي واجب وفريضة، وليس مجرد حق، وتخلف هذا العدل يهدم أركان التعاقد القائم بين الحاكمين والمحكومين، ويلغي شرعية السلام المفترض بين الطبقات الاجتماعية، لأن هذا السلام رهن بتكافل هذه الطبقات في تحقيق الضرورات الواجبة لسائر أعضاء الجسد الاجتماعي، (الأمة). ومن هنا كانت المأثورات الإسلامية الشريفة: «إذا جاع مؤمن فلا مال لأحد»، و«من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه، وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى» (رواه الإمام أحمد). و«العرصة» هي الساحة والفضاء الذي تتحلّقه وتجاوره المساكن، فمشروعية الحيازة، وحرمة ملكية المنفعة في الأموال قائمتان كحق من حقوق ذمة الله تعالى، وتخلف قيام فريضة العدل الاجتماعي يرفع حماية ذمة الله عن هذه الحيازات.

وبحسب ما كتب د.أنور السيد يعقوب الرفاعي حول «حقوق الإنسان في الإسلام»، فإن الإسلام يقوم على رعاية الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ونشأ بيت المال لهذه الغاية في عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لتنظيم تحصيل الضرائب من جزية، وخراج، وتوزيع النفقات على عمال الدولة من أجور ومرتبات، وتحصيل الزكاة من المقتدرين لإنفاقها على المستحقين من المسلمين، وهي صدقة يدفعها المسلمون لسد حاجات الفقراء، والأرامل، واليتامى، والمرضى، وللمحافظة على بيوت العبادة للمسلمين. والزكاة منشأ العدالة الاجتماعية في ذلك العصر الذي راج فيه خارج ديار المسلمين الجور والظلم والاستبداد.

وبين طيَّات كتاب «المجتمع الإسلامي وحقوق الإنسان» للدكتور محمد الصادق عفيفي، ورد أن الثمرة الطبيعية لمراعاة العدالة الاجتماعية هي انتشار روح التضامن، وقيام مبدأ التكافل، بين جميع أفراد المجتمع، سواء أكانوا مسلمين، أم من أهل الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا»، وعلى الدولة ألَّا تقصِّر في سبيل توفير سبل العمل المشروع لكل مواطنيها، فإذا لم يجدوا هذا السبيل، فإن الدولة تكفل لهم ما يحتاجون إليه. وإذا لم يستطع الفرد المسلم المشاركة في أي باب من أبواب العمل، مما يفتح له ميادين الرزق، لسبب ما، أو قعد به العجز عن العمل لمرض أو شيخوخة، أوجبت له الشريعة الإسلامية حق الرعاية، لأن كفاية كل فرد موكولة إلى قدراته، في حدود العدالة، وتكافؤ الفرص، فإن حالت ظروف ما دون مزاولته لمقومات العمل، وتفرق حظه في حظوظ الآخرين، قضى منطق الحق والبقاء أن تقوم له الدولة باستخلاص حقه، وذلك ما قضت به الشريعة الإسلامية، لا باعتبار عدالة الكسب، لأنه لا يمكن أن نستحل جهود فرد لنقدمها لآخر أصابه العجز، ولكننا نشاركه من زاوية أخرى، وهى أن الثروة من عمل الله، ومن هُنا استحق هذا العاجز نصيبه، ولا فضل فيه لأحد، وصدق الله حيث قال: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (سورة المعارج – الآية 24، 25)، فهذا (الحق المعلوم) هو السهم الذي دخل في حوزة فرد ما، بسبب عجز فرد آخر.

وترتقي الشريعة الإسلامية في هذا المجال التكافلي إلى ما هو أسمى من ذلك، فالأمر ليس مقصوراً على الأفراد، بل تجعل حقّ الرعاية للأسرة على أساس رابطة المودة والرحمة، وللمجتمع الصغير، قرية كان أم مدينة، على أساس تنمية المستغلات المملوكة للآحاد، والمجتمع الإنساني الكبير على أساس تعاون أبنائه على الخير فيما بينهم. وبهذا، فإن العدالة الاجتماعية في ميدان توزيع العطاء والأرزاق لم تجد لها حلاً صحيحاً في غير المجتمع الإسلامي، سواء عن طريق الزكاة، أو عن طريق الحق المعلوم فيما سواها من الأموال.

ويشير د.أحمد حافظ عطية نجم في كتابه «حقوق الإنسان بين القرآن والإعلان» إلى أن القرآن الكريم اهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان بقدر كبير، خاصة في ما يتعلق برزقه وصحته وغذائه ومسكنه وملبسه، فهناك أكثر من مئة آية متفرقة تتعلق بهذه الحقوق الإنسانية المبدئية، يتحدث معظمها عن حق الفقير في أن يناله نصيب من أموال القادرين، عن طريق الزكاة، ليتمكن من الحياة في مستوى معيشي مناسب يفي بحاجاته الأساسية في الحياة.

ونص القرآن الكريم على حق الفقراء في نصيب من مال الأغنياء عن طريق الزكاة، فقال تعالى: (لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ) (سورة البقرة – الآية 177).

ووضع الله سبحانه وتعالى من يدفعون الزكاة للفقراء في مرتبة تلي مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، واعتبرهم من أولياء المسلمين، فقال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (سورة المائدة – الآية 55).

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2f526bt3