عالم بلا «أجواء مفتوحة»

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين

أسدل الستار، قبل أيام قليلة، على معاهدة «الأجواء المفتوحة» التي كانت واحدة من أهم الثمرات الإيجابية لانتهاء «الحرب الباردة»، بعد إعلان روسيا انسحابها رسمياً منها، متأخرة نحو سبعة أشهر على انسحاب الولايات المتحدة منها، في أواخر أيام إدارة ترامب مع نهايات نوفمبر/ تشرين الثاني، من العام الماضي.
 أهمية المعاهدة التي تم إقرارها من قبل 27 دولة في العاصمة الفلندية هلسنكي عام 1992، وأصبحت سارية المفعول اعتباراً من الأول من يناير/ كانون الثاني 2002، تكمن في أنها تتيح مراقبة التسلح بين الدول الأعضاء، عبر دوريات تنفذها طائرات غير مسلحة لاستكشاف ومراقبة ما يحدث على أراضي الدول الموقعة على الاتفاقية عن طريق الجو. والأكثر أهمية من ذلك، أنها ساهمت بنسبة كبيرة في بناء الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتركت آثاراً إيجابية للغاية على الأمن والاستقرار العالمي.
 انتظرت موسكو نحو سبعة أشهر لكي تلغي واشنطن قرار إدارة ترامب السابقة، وتعود إلى الالتزام بالمعاهدة، إلا أن إدارة بايدن لم تفعل، بل أبلغت موسكو أخيراً أنها لن تعود إلى المعاهدة، في تعبير هو الأبلغ عن الخلافات المتراكمة، وانعدام الثقة بين الجانبين، ما دفع الكرملين إلى اتخاذ قرار الانسحاب نهائياً من المعاهدة قبل أيام من القمة المقررة بين الرئيسين بايدن وبوتين، في جنيف، في وقت لاحق من الشهر الحالي. 
 ولكن ما مصير المعاهدة، أو ما الذي تبقّى منها بعد الانسحاب الأمريكي الروسي؟ في حقيقة الأمر أن واشنطن لم تكن لتشعر بالخسارة جراء الانسحاب من المعاهدة لاعتقادها أن المهمة ستقع على عاتق حلفائها في حلف «الناتو»، وبالتالي فإنها ستحصل على المعلومات التي تريدها عبر شركائها في الحلف، ولهذا السبب بالذات رأت موسكو أن الانسحاب الأمريكي «يقوض توازن المصالح» بين الدول الأعضاء، ويهدد الأمن القومي الروسي، ما أجبرها بدورها على الانسحاب، وفق الكرملين. واعتبرت موسكو أن قرار الانسحاب الأمريكي يمثل «خطأ سياسياً»، وحذرت من أن هذه الخطوة لن تخلق مناخاً مؤاتياً لمناقشة الحد من التسلح في قمة بايدن - بوتين المرتقبة.
 في كل الأحوال، يعطي الانسحاب الأمريكي الروسي من المعاهدة انطباعاً بأنها لم تعد لها قيمة، إذ إن استمرار سريانها بين الدول الأوروبية وحلف «الناتو» لن يضيف الكثير، أو يضفي الجدية على مراقبة الحلفاء لبعضهم بعضاً، كما أن بقاءها بين الحلفاء لن يدفع روسيا والولايات المتحدة إلى الركون، أو عدم البحث عن وسائل بديلة لمراقبة بعضهما بعضاً. وبالتالي فإن انهيار معاهدة «الأجواء المفتوحة» عملياً، سيعيد الاعتبار للأقمار الصناعية، والبحث عن إمكانية تطويرها لتصبح أكثر دقة، وربما ابتداع وسائل أخرى في ظل التطور الهائل للتكنولوجيا الحديثة. وربما يكون من أسوأ نتائج انهيار معاهدة «الأجواء المفتوحة» هي العودة إلى سباق التسلح وأجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وما يرافقها من انعدام ثقة، وأجواء مشحونة، لا شك في أنها ستمثل تهديداً للأمن والاستقرار العالميين.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/t27yjjjv