عادي

علي أبو الريش: اكتشفت نفسي في «الاعتراف»

دفاتر المبدع
23:36 مساء
قراءة 4 دقائق
علي أبو الريش

الشارقة: علاء الدين محمود

بدايات الكاتب بصورة عامة تكتسب أهمية خاصة في مسيرته على مستوى التأليف؛ ذلك أنها تلخص مسيرة التكوين الثقافي والتجربة الخاصة به، وفي هذه المساحة يتلفت الروائي الكبير علي أبو الريش، بعقله وقلبه إلى الوراء حيث قراءاته الباكرة التي أحدثت منعطفاً في حياته، وإلى المخاض الأول الذي شهد أول مولود إبداعي له، ثم ينتقل ليحدثنا عن الحاضر وما يطالعه ويكتبه الآن.

في معرض حديثه عن أولى نصوصه الإبداعية، يستعيد أبو الريش سيلاً من الذكريات الحبيبة إلى نفسه، ويشير إلى أن العمل الأول في حياة الكاتب أو الشاعر أو الرسام أو الفنان هو حدث خاص ومختلف، فهو بمثابة البذرة الأولى ونقطة الانطلاق ومنصة التأسيس والتكوين، والتي يعود إليها في كل حين، بدافع التأمل وربما الإعجاب والتقييم، وبغض النظر عن ما يمكن أن يقال عن العمل الأول من قبل النقاد أو حتى المتلقين من حيث القيمة الإبداعية والفنية، فإنه يظل قابعاً في ذاكرة الكاتب لأنه نتيجة تفاعلات ومشاعر إنسانية ربما تكون حزينة أو سعيدة، ويبقى نصاً مرتبطاً بالوجدان والعاطفة قبل كل شيء. ويقول أبو الريش: «يظل القلب شغوفاً بتلك الكتابة الأولى، ولا يستطيع الكاتب أن ينسى الظروف والملابسات والتداعيات التي أنتجت أول تجربة له، وكذلك لا ينسى ما حدث بعد ولادة ذلك النص من حيث استقبال المجتمع الأدبي والثقافي له، والآراء التي تشكلت حوله، فتلك اللحظات هي بمثابة تعميد للمرء بأنه قد صار كاتباً».

وتد الخيمة

وينعطف أبو الريش بالحديث إلى أولى إبداعاته الأدبية، وهو رواية «الاعتراف»، الصادرة عام 1982، والتي جعلت منه كاتباً «ولد بأسنانه»؛ أي قدم عملاً متفرداً منذ البدء، حيث إن ذلك النص قد دخل ضمن قائمة أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين، والتي أعلن عنها اتحاد الكتاب العرب عام 2000، وهو العمل السردي الذي جاء حافلاً بالأساليب والتقنيات الفنية المميزة، وبفكرة مختلفة من حيث التناول، تتحدث عن أحداث مأساوية وشخصيات ضبابية حالمة وغامضة، تتجلى فيها الأفكار والرؤى التي تكشف عن ثقافة معرفية وفلسفية للكاتب. ويرى أبو الريش أن ذلك العمل كان بمثابة ركيزة أساسية و«وتد خيمة»، ويقول: «ذلك النص هو البداية التي لولاها لما استطعت أن أكتب أي عمل آخر، فهو المرآة التي نظرت فيها واكتشفت نفسي من خلالها»، ويلفت أبو الريش إلى أنه لايزال يحمل محبة خاصة لتلك الرواية التي مهدت الطريق نحو إبداعات أخرى ومحطات كثيرة ومتنوعة، فهي الأساس الذي أنتج كل المؤلفات السردية اللاحقة؛ بل وتعتبر علامة مفسرة للفضاءات والأجواء والمواضيع التي يشتغل عليها كاتبنا الكبير.

تكوين ثقافي

وفي سياق حديثه عن المؤلفات الروائية والسردية التي لفتت انتباهه بقوة وشدته نحو عالم الكتابة، يشير أبو الريش، إلى فترة الصبا الباكر في رأس الخيمة، حيث كانت ترد العديد من المؤلفات ومنها روايات نجيب محفوظ، الذي يكنّ له إعجاباً كبيراً وخاصاً، فهو يعد مدرسة سردية ومحطة مهمة ومؤثرة بالنسبة لكثير من الروائيين الذين كانوا يتلمسون بداياتهم وخطواتهم الأولى. وعبر نجيب محفوظ، تطورت الذائقة الإبداعية السردية عند أبو الريش، الذي انتقل نحو قراءات أخرى عالمية عبر مؤلفات لكتاب كبار مثل الإيطالي ألبرتو مورافيا، الذي كان له تأثيره الكبير على العديد من الكتاب العرب.

ويشير أبو الريش إلى أثره في تشكيله وتكوينه الأول، حيث صار هناك تداخل، من خلال الاتجاه إلى الكتابات الغربية، بين البنية العربية والعالمية. ويلفت إلى كتاب آخرين مثل فيكتور هوجو، وتولستوي وغيرهما، حيث كانت تلك القراءات هي المعين والمنهل وهي التي أمدته بالخبرة والأدوات الكتابية.

ويلفت أبو الريش إلى حضور سيجموند فرويد، فقد كانت كتاباته هي المؤلفات الأولى التي أقبل عليها بنهم شديد، وقد انعكس أثرها في أعماله خاصة تلك التي تتناول الإنسان في الوقت الحاضر، مشيراً إلى مقولته الخالدة: «إن الإنسان المتحضر مازال يحمل شيئاً من عصر الغاب»؛ أي أن الإنسان مازال بدائياً وعدوانياً ولا يؤمن بالحقيقة. ويذكر أبو الريش أنه تمثل تلك المقولات في أعماله، حيث كتب عن شخصيات تعبر عن فكرة فرويد تلك.

ويؤكد أبو الريش أهمية الفلسفة في تكوين الكاتب في مجال السرد على وجه الخصوص، وأشار إلى أنه يقضي عدة ساعات كل يوم في الاطلاع على الأعمال الفكرية، فالكاتب الذي لا يقرأ الفلسفة وعلم النفس لا يمكنه المواكبة والتمكن من الأدوات التي تجعله قادراً على التعبير عن مجتمعات وإنسان العصر الحاضر الذي يعيش في ظل ثقافة الاستهلاك والمتغيرات الكبرى، فلابد للمبدع من أن يتسلح بالفكر حتى يفهم الإنسان من الداخل والخارج، وبالتالي يكتب عنه وعن مشاكله وشواغله، ويشير أبو الريش إلى فلاسفة كان لهم الأثر الكبير في تشكيله الإبداعي والفني والفكري مثل نيتشة، الذي عبر عن الإنسان ومخاوفه وقلقه الوجداني ومتاعبه في الحياة، وكذلك كانط، الذي اهتم بالعقل الناقد.

ويشدد أبو الريش على أهمية قراءة الفلسفة بالنسبة للنقاد والكتاب العاديين والقراء، فهي التي تجعل الكتابة عميقة، وهي التي تفسر المؤلفات السردية. وأوضح أنه يطالع في هذه المرحلة إلى جانب الفلسفة وعلم النفس، المؤلفات التاريخية، حيث إن للتاريخ أهمية خاصة عند كتاب الرواية والسرد بصورة عامة.

وحول التطور في مجال التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي وأثرها على الأدوات المعرفية عند الكتاب، يشير أبو الريش إلى أهمية تلك الوسائل الجديدة التي جاءت مع التطور الكبير والانفجار في مجال الاتصال والمعلوماتية، لكنه في الوقت ذاته يعلن انحيازه للكتاب الورقي، ويقول: «أنا إنسان مثبت عند حالة معينة في التعاطي مع المعرفة وهي قراءة المؤلفات والكتب».

ويلفت إلى الاستخدام السيئ للتكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وأكد أنها بحاجة لكثير من الأسئلة حول جدواها واستخداماتها.ويكشف أبو الريش عن فكرة رواية جديدة تداعب أفقه وتغريه بالكتابة، تتناول فكرة الخوف، وهي في موضوعها عبارة عن أسئلة واستفسارات حول ما يحدث للنفس البشرية نتيجة للخوف الذي هو سمة العصر الحالي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yhkad5m2