اليمين المتطرف وخطر الفاشية الأحفورية

عندما يجتمع أقصى التشدد مع ارتفاع الحرارة
23:20 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
2
2

عن المؤلف

الصورة
1
أندرياس مالم ومجموعة زيتكين
* أندرياس مالم عالم في البيئة البشرية ومؤلف لعدد من الكتب من بينها «رأس المال الأحفوري» و«تطور هذه العاصفة».
** أما «مجموعة زيتكن» فهي مجموعة من العلماء والناشطين والطلاب الذين يعملون على البيئة السياسية لليمين المتطرف.

ماذا يعني صعود أقصى اليمين في أوروبا وبعض الدول في الأمريكتين بالنسبة إلى المعركة ضد تغير المناخ؟ يتناول هذا الكتاب دور اليمين المتطرف في أزمة المناخ، ويقدم قراءة لأطراف سياسية جديدة، ويكشف عن جذورها التاريخية العميقة، وإشكالية العنصرية الصاعدة المرتبطة بالسياسات الاستعمارية.

يتقاطع اتجاهان في الوقت الحاضر، هما ارتفاع درجات الحرارة وصعود أقصى اليمين. ماذا يحدث عندما يجتمعان؟ في السنوات الأخيرة، فعل اليمين المتطرف كل ما في وسعه لتسريع الاحتباس الحراري: فرئيس أمريكي (ترامب) اعتقد أنها خدعة، وأزال القيود المفروضة على إنتاج الوقود الأحفوري. وفتح الرئيس البرازيلي غابات الأمازون وشاهدها تحترق. وفي أوروبا، الأطراف التي أنكرت الأزمة المناخية وأصرّت على ممارسة أقصى قدر من الاحتراق، أصبحت جزءاً من السلطة، من السويد إلى إسبانيا.

 يشير الكتاب إلى أن تقنيات الوقود الأحفوري ولدت وهي غارقة في العنصرية. لم يحبها أحد بحماس أكثر من الفاشيين الكلاسيكيين. والآن صعدت قوى اليمين إلى السطح، ويدعي البعض منها أن لديه الحل وهو إغلاق الحدود لإنقاذ الدولة مع انهيار المناخ.

 «فنلنديون حقيقيون» 

 يقول المؤلفون في مقدمة الكتاب: «في عام 2014، نشر الحزب الفنلندي المعروف باسم «الفنلنديون الحقيقيون» رسماً كاريكاتيرياً يظهر فيه رجل أسود، كان يرتدي تنورة من العشب فقط، وبطنه بارز فوق الحزام، وأنفه مثقوب بعظم حيوان، وعيناه متسعتان، وفمه مفتوح على «مصراعيه»، تومض أسنانه الكبيرة بشكل سخيف، ويلوّح بيده اليسرى بشكل هستيري، حاملاً في يمينه وعاء خشبياً، حيث تقفز أربع قطع من عظام حيوانات أخرى للأعلى وللأسفل. ويصرخ ملء رئتيه: على الرغم من أن المناخ لم يسخن منذ عام 1997، لكن مع هذا الكمبيوتر، أتوقع أن المناخ سيرتفع مئة درجة، ويذوب القمر، وسيرتفع سطح المحيط إلى ستمئة كيلومتر على الأقل، بحلول الأسبوع المقبل.. وإلى يمينه شخصان أصغر حجماً، رجل وامرأة من ذوي البشرة البيضاء، يبدوان خائفين وهما يحدّقان في وعاء الرجل الأسود. يرتديان ملابس مهنية في إشارة إلى إدارتهما معهد المناخ في فنلندا. صاحت المرأة: آه! علينا أن ننفق المزيد على عنف الرياح التي تعمل لمدة ثلاثة أيام فقط في السنة. 

 الطبيب الساحر في علوم المناخ لا يقدم شيئاً ذا قيمة في المقابل: «فكرة عظيمة.. سأقدم لك مشورة. بطبيعة الحال، لن يستسلم «الفنلنديون الحقيقيون» بهذه الطريقة السخيفة والبغيضة. فقد أوضح الحزب في التعليقات أن ما يسمى ب«علم المناخ» لم يتمكن من إثبات أن النشاط البشري هو سبب ارتفاع درجات الحرارة بدرجة واحدة. 

ومع ذلك، فإن توجيهات المناخ تجبرك على دفع الضرائب. «الفنلنديون الحقيقيون» سوف يقاومون الابتزاز. سيرفضون تصديق الحكاية، ويوقفون نزيف الموارد الذي لا طائل من ورائه ويدافعون عن نوع طاقتهم».

 ويضيف المؤلفون: «منذ أن أصبح تغير المناخ مدعاة للقلق، كان من المفترض على نطاق واسع أن يتعامل الناس وصناع القرار مع الأمر، إذا أدركوا فقط مدى صعوبة الحياة على كوكب ترتفع درجة حرارته بمقدار 6 أو 2 أو حتى 1.5 درجة مئوية فقط، وبالتالي سوف يبذلون جهداً لإصدار كميات أقل من الغازات الضارة ويخططون لمسار نحو الإقلاع عن التدخين تماماً. إذاً - بعد أن فاتتهم التحذيرات السابقة - رأوا أن العالم بدأ بالفعل بالاشتعال من حولهم، فمن المؤكد أنهم يجب أن يستيقظوا وينطلقوا إلى العمل: كان هذا هو الأساس للتواصل بين مجتمع أبحاث المناخ وبقية المجتمع. الأول ينقل المعرفة حول كيفية تطور الأشياء على الأرض، ويتوقع أن يتصرف الأخير استجابة لذلك، مثلما هو الحال عندما يعطي الطبيب لمريض بالغ تشخيصاً، ويصف دواء متاحاً في أقرب صيدلية. الحالة مزرية، لكن العلاج مضمون. وظل علماء المناخ الذين كانوا دائماً طاقماً مخلصاً من الأطباء، يطرقون أبواب الحكومات وينقلون رسائلهم، على سبيل المثال، حول مدى خطورة العواقب المترتبة على ارتفاع متوسط درجات الحرارة فوق 1.5 درجة مئوية، كما هو موضح في تقرير من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) في أكتوبر/ تشرين الأول 2018».

 ويرى المؤلفان أنه بالطبع، تم التعليق بشكل مكثف وقلق على صعود اليمين المتطرف، ولكن نادراً ما كان اتجاهاً متجذراً في قاعدة مادية معينة وينمو في الغلاف الجوي. وفي دليل أكسفورد الرسمي للحق الراديكالي، الذي نُشر في عام 2018، نجد فصولاً تغطي جميع الخيوط النظرية والمنهجية الرئيسية في هذه الأدبيات: مناقشات الدين، والإعلام، والجنس، والعنف، والشباب، والكاريزما، والتشكيك في أوروبا، والعولمة، والكثير من الأمور الأخرى، ولكن لا شيء في علم البيئة. وقام أحد الخبراء المعروفين على نطاق واسع، يدعى كاس مودي، بإجراء مسح عالمي في كتابه (The Far Right Today) عام 2019، ومرر المشكلة بصمت تام. وقد لوحظ «النقص المفاجئ» في البحوث المتعلقة بالبعد المناخي. فهي تخلق صورة لليمين المتطرف على أنه يرتفع في مكان آخر غير عالم يزداد احتراراً بسرعة. لكن من الآن فصاعداً، كل قضية هي قضية مناخية، كما كتبت أليسا باتيستوني، وصياغة نظرية حول ذلك تصبح أكثر صدقاً مع مرور الوقت. ربما كان من الممكن دراسة سياسات اليمين المتطرف في الثلاثينات أو الثمانينات خارج البيئة الطبيعية.

 البيئة السياسية 

 في هذا العمل الذي يتناول البيئة السياسية لليمين المتطرف في القرن الحادي والعشرين، يحقق الكتاب في ما قالته الأحزاب الرئيسية وفعلته بشأن المناخ والطاقة في ثلاث عشرة دولة أوروبية: فنلندا، السويد، النرويج، الدنمارك، ألمانيا، بولندا، المجر، هولندا، النمسا، فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، والمملكة المتحدة.

 ويركز العمل على أوروبا، ولكنه يتطرق أيضاً إلى دولتين في الأمريكتين - الولايات المتحدة والبرازيل - اللتين تم الاعتراف بهما منذ فترة طويلة بشأن تأثيرهما الضخم في النظام المناخي، وبعد عامين فقط، خضعتا لحكم رئيسين من اليمين، كان أحدهما، دونالد ترامب، بالطبع الوجه السائد للسياسات المناهضة للمناخ في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد فقد ترامب البيت الأبيض الآن. وحان الوقت لتقييم الظاهرة غير التي يمثلها والتفكير في الشكل الذي قد يظهر مرة أخرى. ويتساءل المؤلفون: «هل كان كابوساً أمريكياً دام أربع سنوات وانتهى أخيراً؟ كان مهووساً بالثقافة المحلية، هل يمكن أن يعود ليطارد عالماً أكثر دفئاً؟ هل يمكننا أن نتنفس الصعداء لدرجة أننا على الأقل لن نضطر إلى التعامل مع هذا النوع من الجنون؟ توقعاتنا أقل تفاؤلاً. وفي الواقع، كما سنبين، فإن الظاهرة التي أرسلها ترامب - على وجه التحديد عندما اجتمع الوقود الأحفوري والبشرة البيضاء معاً في شخصيته - تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الولايات المتحدة. ويمكننا أن نلاحظه كشيء أكثر من مجرد غرابة مركزية للجمهوريين أو حتى خصوصية ترامبية شخصية، بل كنزعة منهجية تظهر في لحظة معينة في تاريخ نمط الإنتاج الرأسمالي».

 يعرض الجزء الأول من الكتاب النتائج الرئيسية، ويقدم تاريخاً من ظروف تغير المناخ والسياسات القومية، وكيف تعامل اليمين المتطرف مع ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن يتولون قيادتها حتى الآن.. وينظر هذا الجزء إلى التطورات في العقود الأخيرة، مع التركيز على العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ويتتبع تطور مجموعة من الأفكار حول المناخ والدولة والطاقة والعرق، من أول تنظيم للرفض إلى مواقف العائلة الحزبية التي زعزعت السياسة الأوروبية. وهذه الأفكار ليست ثابتة ولا موحدة عبر الأحزاب. على العكس من ذلك، فإن اليمين المتطرف في حالة تغير مستمر، ويتبنى مواقف مختلفة في بلدان مختلفة، وسيواصل التكيف مع الظروف المتغيرة. لكن ذخيرة سياسات المناخ اليمينية المتطرفة ليست مملوءة بالمخاطر بشكل لا نهائي، فهي لن تتوسع كثيراً إلى ما هو أبعد من بعض وجهات النظر الأساسية التي تم التوصل إليها بتكريس عاطفي لموضوع الحب العالمي لليمين المتطرف: الأمة النقية عرقياً. إذاً، ماذا يعني الدفاع عن الدولة البيضاء في حالة طوارئ مناخية؟ قام البعض في أقصى اليمين بقلب منطق الرسوم الكاريكاتيرية الفنلندية، وقرر أن حالة الطوارئ حقيقية في الواقع، وأن الدولة البيضاء هي أفضل درع ضدها.

 يحاول الجزء الثاني فهم كل هذا، كيف يمكن للسياسات المناهضة للمناخ لليمين المتطرف أن تبرز في هذه الساعة المتأخرة؟ ماذا يعني العيش في عالم أكثر سخونة وأبعد إلى اليمين من الآن؟ ينخرط الكتاب هنا في ما يمكن تسميته بنمذجة المناخ السياسي: أخذ اتجاهات الماضي القريب ومتابعتها في المستقبل، والاستقراء والتكهن بالسيناريوهات المحتملة. كيف يجب تحديد الظاهرة وتعريفها؟ اقترحت كارا داجيت في مقال لها مصطلح «الفاشية الأحفورية»، ويقارن المؤلفون هذا المصطلح بالفاشية الكلاسيكية، ويقارنون اليمين المتطرف المعاصر بمصطلح أوروبا ما بين الحربين العالميتين. وبالتالي، فإن الجزء الثاني يرسم تاريخاً أعمق للترابط. فهو يتتبع جذور الأفكار التي ظهرت على السطح، ويرى أن البشرة البيضاء والوقود الأسود قد اقترنا فترة طويلة. وفي الواقع، كانت الآلات التي تعمل بالوقود الأحفوري مشبعة بالعنصرية منذ اللحظة الأولى على انتشارها عالمياً. وكانت الحاضنة الأوروبية للبشرة والوقود إمبراطورية. ويجب أن يبدأ أي استكشاف لها مع فرانز فانون، ويستمر مع الذين رأوا مسيرة تقدم التكنولوجيا الحضرية من الطرف المتلقي. ويجد المؤلفون أنه لا يمكن فهم التطورات الأخيرة، أو احتمال استمرارها وتفاقمها، من دون هذه النظرة الأطول.

 مناهضة 

يتطرق المؤلفون إلى الجانب التاريخي، قائلين: «لكن التاريخ الاستعماري ليس سوى مصدر واحد للمشكلة التي نتعامل معها. يجب علينا مهاجمتها من زوايا متعددة. لكن ما هي المصادر التي يضخ منها اليمين المتطرف أوهامه حول الدفاع عن الأمة ومحاربة المؤامرات وتسليح نفسه بطاقة خارقة؟ ما هو المغزى الأكثر عمقاً من الناحية الثقافية والنفسية للظاهرة في هذه الرأسمالية المتأخرة جداً؟ ما هي علاقتها بمناطق الحضارة البرجوازية التي ستنكر أي ارتباط باليمين المتطرف؟ أولئك الذين يعتقدون أن الطريقة السائدة للتعامل مع المناخ تقف في معارضة مطلقة بشكل لا يمكن التوفيق بينها وبين تلك الخاصة باليمين المتطرف، سيحتاجون إلى التفكير مرة أخرى. وإحدى الحجج الأساسية هي أن سياسات المناخ لليمين المتطرف صعدت بالتزامن مع بعض المصالح المادية الملحّة للطبقات المهيمنة. وتباينت تكتيكات حماية هذه المصالح: فهي موجودة في سلسلة متصلة، حيث ينزلق التوجه الرئيسي بسهولة إلى أقصى الحدود».

 يتناول الكتاب أيضاً أسلاف اليمين المتطرف المعاصر، أي الفاشيين الكلاسيكيين الذين شاركوا في السعي المحدد للأمة البيضاء النقية، ويتساءل المؤلفون: «كيف تعاملوا مع الوقود الأحفوري وتقنياته؟ إن عصور ما قبل التاريخ للفاشية الأحفورية تحمل مفتاحاً لمواقف أقصى اليمين اليوم، وهو جزء من الذي أوصلنا إلى هذه الفوضى في المقام الأول، لكن الفاشية لها أيضاً تاريخ من حب الطبيعة، وهي بداية عودتها الخاصة، والسؤال: إلى أين يمكن أن تقودنا؟

 يقول المؤلفون: «يتجه كل من نظام المناخ والأنظمة السياسية في العالم نحو تقلبات واضحة، لكن عموماً نحن محاصرون داخل مصعد مع اليمين المتطرف، وبحاجة إلى فكرة عن مكانهم.. ماذا يفعلون، كيف يفكرون، ما هي الخطوات التي قد يتخذونها بعد ذلك؟». ويضيفون: «نظراً لأن أولئك الذين يسعون إلى الارتفاع وحرق المزيد من الوقود الأحفوري لم يتوقفوا أبداً عن الانتصار، فنحن الآن في موقف لا يمكن فيه تجنب الانهيار الكامل إلا من خلال إعادة توجيه وإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي. كل برميل من النفط المستخرج، كل حاوية من الفحم، كل قدم مكعبة من الغاز، كل طن من الكربون ينطلق في الهواء يسرّع الاندفاع. ولكن، على العكس من ذلك، فإن كل قطعة من الوقود الأحفوري تُترك من دون مساس تحد من المخاطر، وكل انبعاث يتم تجنبه يخفف المعاناة، وكل خطوة لإزالة الكربون من اقتصاداتنا، أي تخليصها بشكل كامل وفوري من الوقود الأحفوري وبدء العمل الجاد للتراجع عن الأضرار، هذه هي المعايير التي يتم من خلالها إحداث فرق، الآن وفي المستقبل القريب. واستمرار العمل كالمعتاد هو، أكثر من أي وقت مضى، نتيجة الصراع: خلال عام 2019، شهد العالم أعظم التحركات الشعبية في التاريخ حول قضية المناخ.

على العموم، يتعامل هذا الكتاب (الصادر عن دار «فيرسو» في مايو/ ايار 2021 باللغة الإنجليزية ضمن 576 صفحة) مع الجانب الآخر، الذي لا يمكن لأي حركة مناخية أن تتخلص منه، ويميل إلى إثارة رد فعل جماهيري غاضب.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
أندريا غيزيلي
1
أنتوليو جوزيف إتشيفاريا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
مارينا برنتوليس
1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا
1
ستيفانو بالومبارين وبرونو أمابل
1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل
1
دونالد ساسون
1
بول جي.هاريس
https://tinyurl.com/65bpkzp9