صناعة العقل

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

تصاحب كل تطور تكنولوجي  وخاصة في وسائل الإعلام  أطروحات ومقولات تحلل علاقة هذا التطور بالعقل البشري، فوفق كثير من تلك الأطروحات لا هدف لتلك الوسائل بأشكالها المختلفة إلا الهيمنة على العقل عبر مستويات عدة لا تبدأ من اختراقه عبر آليات مدروسة ومعدة بعناية لتشكيله، لكي يؤمن بأفكار معينة، مروراً بتوجيهه نحو قبول تفسيرات معدة سلفاً لما يدور حوله من أحداث، أو إصابته بالبلبلة والحيرة وعدم القدرة على اتخاذ أي موقف.

ويبدو أن تلك الجاذبية القوية التي يشعر بها كثير من المحللين تجاه وسائل الإعلام عند الحديث عن دورها المركزي في صناعة العقل، انتقلت إلى الأدب والفنون، فهناك بعض الروائيين والمخرجين الذين أنتجوا أعمالاً لافتة تؤكد هذا الدور، ولكن هل تقتصر تلك الصناعة على وسائل الإعلام؟ 

في كتابهما «حروب العقل» يقدم لاري فلاكسمان، وماري جونز، إجابة صادمة، فالنشاط البشري بأكمله ومنذ فجر التاريخ يرتكز على الهوس بالسيطرة على العقل، وخلال رحلة طويلة تنطلق من وظيفة الساحر في القبائل البدائية وحتى المشروعات الاستخباراتية السرية. يحلل المؤلفان العشرات من الأحداث والمواقف والأفكار التي تدعم كلها ما يذهبان إليه، وتتضخم فكرتهما لتبدو أنها محاولة لوضع مدخل تفسيري جديد للتاريخ، فما يحرك الجميع وعلى مدار آلاف السنين، يتمثل في رغبة دفينة تنتاب أقلية: سياسية، اقتصادية، للتحكم في العقل.

تبدو الصورة السابقة أكثر زخماً، إذا أضفنا إليها أصواتاً تنتمي إلى نظرية المؤامرة وتتحدث عن مشاريع لزرع أجهزة داخل الرأس لمراقبة العقل مباشرة، أو تلك الاتهامات الأيديولوجية المتبادلة خلال فترة الحرب الباردة بمحاولة كل طرف استثمار مختلف مجالات الثقافة والفكر في صناعة عقول موالية إما لليبرالية أو للاشتراكية.

ولكن هل العقل مخيف إلى هذه الدرجة؟، لكي يسعى الجميع إلى غزوه، وهل هو بريء كالصفحة البيضاء نكتب فيها ما نشاء؟ وهل يتمرد دائماً وينبغي ترويضه أو هو تابع على طول الخط، يسلك وفق ما يستقبله من معلومات؟، وهل هو بهذه القوة التي تدفع المئات من الخبراء إلى تصميم برامج تسعى إلى توجيهه؟، وأيضاً: هل هو ضعيف إلى الحد الذي يؤثر فيه فيلم أو نشرة إخبارية؟ 

وهل يخضع دائماً لكل ما يصله من الخارج أم هو مستقل يستطيع تقييم ما يسمعه أو يُبصره في ما يقع حوله ويتخذ قراراته نتيجة لذلك؟ هي أسئلة تفرضها صور لانهاية لها للعقل نخرج بها بعد متابعة تلك الأطروحات، وتصل إلى درجة التناقض الناتج عن تبسيط فكرة العقل نفسها، والتعاطي معها من منظور أحادي الاتجاه.

إن العقل إشكالي ومعقد، ومن الاستسهال إدراك البعض أنه يتبع دائماً ما يتلقاه من الخارج، أو خضع لكل محاولات توجيهه أو تدجينه، هذا ما يبدو في الظاهر، أما الحقيقة فتتطلب تأملاً أكثر في ذلك العقل الذي ربما يتمرد فجأة ويضم أماكن قارة مجهولة لا نستطيع الوصول إليها مهما حاولنا، من هنا ألقه المستمر وصعوبة استيعابه في أي نموذج تفسيري جاهز.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2u6k5hth