العالم يفتح أبوابه

00:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

«كورونا»، لن يكون وباء الأمس فقط، ولكنه سيظل يلاحقنا في الغد أيضاً، فبعد أن وعدتنا منظمة الصحة العالمية مراراً خلال العام الماضي بالقضاء عليه، وطالبت الدول بمضاعفة الجهود لتخليص العالم من أذاه، خرجت علينا قبل أيام لتطالب البشرية بتعلم كيفية التعايش مع الفيروس، ومنعه من الانتشار، ومنع ارتفاع حالات الإصابة به، مؤكدة أنه «لن يختفي في أي وقت قريب، وستظهر له سلالات»، وهي صدمة كانت منتظرة بعد أن أودى اللعين بحياة ما يقرب من أربعة ملايين، وطال نحو ١٨٠ مليون إنسان، وهذا هو الرقم المعلن عالمياً، والمعروف أن الإصابات الحقيقية التي لم تعلن قد تكون أضعافاً؛ كما أن تحوّراته التي تلاحقنا تؤكد أنه داهية، ويكفيه أنه تحوّر وتغيّر جينياً ٣٠ مرة في جسد امرأة جنوب إفريقية خلال ٧ أشهر. 

 «كورونا» هو الفيروس الأكثر إيذاء للإنسانية، فقد نال من مختلف جوانب حياتنا، وقُدّرت خسائر الاقتصاد العالمي بأرقام تريليونية، حيث قدّرها صندوق النقد في نهاية ٢٠٢٠ بثلاثة عشر تريليوناً، في حين وصلت تقديرات خبراء اقتصاديين إلى ٣٥ تريليوناً، وتضاعف عدد الفقراء، وقلّت فرص العمل، وفُقدت وظائف، وأُغلقت شركات، وانهارت اقتصادات دول، وأُجلت خطط تنموية، بعد أن تحولت نسب النمو إلى نسب تراجع. 

 ليت الخسائر اقتصرت على ما سبق سرده، ولكن الأخطر هو التغييرات السلبية التي أحدثها الفيروس في السلوك الإنساني، حيث امتدت تأثيراته إلى معظم سكان الكوكب، إنْ لم يكن إلى كل المليارات الثمانية من البشر. فمن بيننا من ضربه داء الخوف من كل ما يحيط به، ابتداء من الهواء الذي يتنفسه والأدوات التي يستخدمها والملابس التي يرتديها والسلع التي يشتريها، والناس الذين يشاركهم الحياة وتفرض ظروف العمل ومقتضيات المعيشة التعامل معهم.. خوف وتوجّس من أن يكون أيّ من هذه الأشياء، أو أحد هؤلاء الأشخاص، هو من ينقل إليه الفيروس، ويفرض عليه العزلة والألم، ويكون المهدّد لحياته. 

 التردد آفة ازدادت انتشاراً في زمن «كورونا»، فقد أصاب الكثيرين منّا داء التردّد في اتخاذ أي قرار، تردّد بشأن لقاء الأهل والأصدقاء، تردّد عند الخروج لإنجاز مهمة، تردّد في شراء جديد، تردّد في تلبية دعوة، وبعد أن كان الناس ينتظرون الصيف باعتباره موسم الإجازات والسفر والسهر والسياحة، ها هو الصيف على الأبواب وكثيرون منا يتردّدون في اتخاذ القرار المناسب بشأنه، والبعض استمرأ العزلة واستمتع بالكسل، وقرر استمرار الحياة بالنمط نفسه الذي كاد أن يصبح اعتيادياً. 

 تآلف الإنسان مع العمل عن بعد، والدراسة عن بعد، وتنظيم الفعاليات عن بعد، والاطمئنان على الأهل إلكترونياً والتواصل مع الأصدقاء افتراضياً، كأن حياتنا ما قبل «كورونا» أصبحت غريبة عنا، ولا رغبة في استعادتها من جديد. ومثلما بذلت الدول مجهوداً كبيراً في بداية الجائحة لتعويد الناس على عدم الخروج من المنزل، سيكون عليها أن تبذل مجهوداً قد يكون أكبر لإغراء الناس للخروج والسفر والانطلاق والتعايش مع هذا اللعين، ولعل العروض التي تقدمها شركات الطيران والفنادق هي بداية المغريات التي ستقدمها قطاعات مختلفة لاستعادة إنسان ما قبل «كورونا»، العاشق للحياة وللسفر والمغامرات والتجارب الجديدة. 

 لن تعود حياة ما قبل «كورونا» سوى بعد توفير اللقاحات لكل دولة ولكل بقعة حول العالم، وبعد أن يُقبل الناس على التطعيم، ويتخلصوا من الأفكار الهدامة التي روّجها البعض، وللأسف بينهم أطباء وعلماء ومثقفون، بأن اللقاح مُضر. فاللقاح هو الأمل، وهو البعث الجديد لحياة لا تخلو من الحياة. وكل أمر سلبي يتردّد بشأن اللقاح وراءه مغرضون لا يريدون للبشرية خيراً، ويريدوننا أن نغرق في انهيارات اقتصادية واجتماعية أكبر، لينفّذوا هم مخططاتهم الخبيثة. ولو تأملنا تحركات ونشاطات وتفجيرات جماعات الإرهاب وميليشيات العنف منذ ظهور «كورونا»، سنجدها لم تهدأ، وقد تكون ازدادت في بعض الدول خلال فترات الإغلاق. 

 العالم يفتح أبوابه، والدول تفتح حدودها ومطاراتها، والطيران يعود للتحليق، والفنادق تتأهب والمتاحف تستعد، والجميع في انتظار صيف مختلف، صيف تعود فيه الحياة، وتستعيد خلاله الإنسانية ما افتقدته خلال العام ونصف العام الماضيين. 

 «كورونا» لن يرحل، والعالم لن يغلق أبوابه ثانية، ومن أراد أن يلحق بركب الحياة فليس أمامه سوى تناول اللقاح، وإلا ستغلق أمامه جميع أبواب الحياة، وسيظل أسير أفكار هدّامة، وخزعبلات خبيثة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"