وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 
عادي

فوضى السرد

23:12 مساء
قراءة 6 دقائق
1

استطلاع: نجاة الفارس 

في فترة من الزمن كانت الرواية مهجوسة بالغرب، وفي فترة تالية كانت هناك أزمة المثقف، وفي فترة أخرى ارتفع صوت الرواية النسوية، فهل توجد ثيمة معينة تركز عليها الرواية في الوقت الراهن؟ يؤكد عدد من الروائيين والنقاد أن عشرات الروايات نأت بنفسها عن تناول القضايا الاجتماعية والأسرية والعاطفية التقليدية، ورصدت تسونامي العنف والتوحش الذي ضرب أطنابه في الثقافة العربية، كما أن الهزائم التي يشعر بها الإنسان على مستوى الواقع انتقلت إلى التقنيات الفنية الروائية.

«الخليج» التقت عدداً من الروائيين والنقاد حيث أكدوا أنه مع انتشار دور النشر بشكل كبير في العالم العربي، أصبح هناك تنوع جيد في ثيمات الرواية العربية، وحتى العالمية، والآن نجد عدداً من النصوص الأدبية تدور حول جائحة «كورونا» وأثرها، ولدينا على الساحة، أربعة أنواع من الروايات، هي: روايات الرعب، والروايات الرومانسية الخفيفة، أما النوع الثالث فهو روايات ما بعد الحداثة التي تعتمد على حبكات بسيطة وأسلوب هادئ النبرة في السرد، وقد يستلهم الروائي متنه من التاريخ أو من وقائع معاصرة، ومنها ما يتحدث عن أزمة الهوية والانتماء والاغتراب والوحدة، والنوع الرابع هو الفانتازيا أو العجائبية، وهو ينحو إلى التجريب والتجريد والتجديد على مستوى الشكل والمضمون. 

خوف

الدكتور صديق جوهر، أكاديمي وناقد، يقول: «في أعقاب أحداث الربيع العربي، «ربيع الخراب»، ظهرت على الساحة العربية من المحيط إلى الخليج روايات تختلف من حيث الشكل والمحتوى وبناء الشخصيات والهيكلية الأسلوبية وطرائق الكتابة عما سبقها من أعمال مماثلة في مطلع القرن الحالي، لقد تركت مرحلة الفوضى والعنف والخوف من الحاضر والتوجس من الآتي التي صاحبت ربيع الخراب جروحاً غائرة في نفوس العديد من كتاب وقراء الرواية، ما انعكس على سياقات وسرديات عشرات الروايات التي نأت بنفسها عن تناول القضايا الاجتماعية والأسرية والعاطفية التقليدية، ورصدت تسونامي العنف الذي ضرب أطنابه في جذور الثقافة، بعدما أدرك القصاصون والقراء، خاصة الأجيال الصاعدة، الفخ الذي وقعت فيه شعوب بعض الدول العربية التي خدعتها الواجهة الدينية المزيفة ولافتات الحرية المغرضة الملوثة بدماء البسطاء التي رفعها من فتحوا فوهات الجحيم، وادعوا أن الخلاص يكمن في انتفاضات الفوضى وثورات العار التي قدمت حشود المخدوعين قرابين على مذبح المتلفعين بعباءات الدين».

 ويضيف الدكتور جوهر: في سعيهم لرصد هذه التحولات الكارثية التي تركت ندباتها على الذاكرة الجمعية العربية جسّد الأدباء العرب في رواياتهم شتى مظاهر التطرف والإرهاب التي أفرزتها ثورات ترفع شعارات دينية براقة بينما تسعى لزعزعة الدول والأنظمة وتقسيم المجتمعات إلى طوائف متناحرة، ونشر ثقافة العنف في جميع أرجاء الوطن العربي، من الماء إلى الماء، وجسدت روايات ما بعد ربيع الخراب انتشار الإلحاد بين الأجيال الشابة التي أصيبت بخيبة أمل عندما أدركت خيانة من تاجروا باسم الدين وباعوا أوطانهم بحفنة دولارات، وصارت نصوص هذه الروايات تعج بمشاهد العنف والقتل والشذوذ والصراعات العائلية والانتحار وعرض ثيمات غريبة على المجتمعات العربية، كما كثر الحديث في السرد القصصي عن مواقع التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة التي لعبت دوراً مهما في الواقع وفي الفضاء القصصي، وفي بناء الشخصيات وتشكيل العلاقات بينها، في هذه الروايات تغيرت صورة الشخصية المحورية الذكورية التقليدية وتم استبدالها بشخصيات ممزقة داخلياً ومشوهة نفسياً واجتماعياً، شخصيات تائهة في مجتمعات تعرضت لهزات وجودية غيّرت جيناتها الثقافية وحمضها النووي الأخلاقي. 

تشظ وتفكك

 الدكتورة أمل عامر التلاوي، ناقدة وأكاديمية، تقول: «منذ نشأة الرواية وهي تتحول تقنياً وفنياً متماهية مع أحوال الإنسان وتنعكس رؤية الإنسان للعالم على بنائها وشخصياتها، وتقنيات رسم شخصياتها وأبعادها، على سبيل المثال مع غياب البطولة على مستوى الواقع، رأينا الرواية وهي تُغّيب شخصية البطل، بل ما عاد النقاد يوظفون مصطلح البطل عند حديثهم عن الشخصية الرئيسية داخل العمل الروائي، فالهزائم التي يشعر بها الإنسان على مستوى الواقع انتقلت للتقنيات الفنية الروائية، ففي مرحلة انصب اهتمام الإنسان على الأشياء والماديات، فنجد الكثير من الروايات تحتفي بالأشياء وتعظم من قيمة الشيء، في حين يتراجع دور الشخص داخل النص، وفي مراحل أخرى رأينا الرواية وهي تتشظى وتتفكك وتقدم أحداثاً غير منطقية وخارجة عن حدود العقل والتصديق، كأن الرواية في هذه المرحلة تقول: إن الأحداث التي يمر بها الإنسان المعاصر من كوارث وحروب وهزائم هي خارجة عن حدود العقل والتصديق، ولذلك بنت أحداثها بهذه الطريقة، ومن الملامح أيضاً التي ظهرت على النصوص الروائية ما يمكن أن نسميه الأثر الصوفي، فحفلت الكثير من النصوص الروائية بهذا الأثر، وتلك اللغة. 

 وتذكر التلاوي، يمكننا القول في الرواية الحداثية هناك اعتناء كبير باللغة وبالتقنيات الموظفة، وهناك توجه ملحوظ من كتاب الرواية إلى العناية باللغة، وتقنيات البناء اللغوي الحداثي، ابتداء من العتبات النصية وجماليات تشكيلاتها وصولاً إلى أدق تفاصيل النص الروائي، بل إن البعض جعل من النص الروائي استعراضاً لمهارات اللغة من تكثيف وانزياحات وتناص، وغير ذلك، وتحتاج الروايات الحداثية إلى قارئ متعمق، وربما إلى من يفك رموزها، فإنسان العصر الحالي لا يغريه النص المباشر، وإنما يسعى دائماً لتلك النصوص التي تثير فضوله وتدفعه نحو التأويل والتفسير، فتأتي بنية النص الروائي غير مباشرة، وغالباً ما تكون الحبكات متعددة أو متوازية، ويوظف الكتاب تقنيات متعددة مثل الأصوات المتعددة، الاسترجاع، البناء المتوازي، شخصيات إما أن تكون خيالية وغير واقعية، وإما تلامس الواقع بصورته المباشرة والمريرة في كثير من الأحيان، لقد حفلت كما إنسان العصر الحديث بالكثير الكثير من القلق. 

مدارس

 الكاتب الروائي الدكتور فيصل سعيد عبدالله السويدي، يقول: «يجب أن نفرق بين المدارس الروائية المختلفة كالمدرسة الروسية والمدرسة العربية والمدرسة اللاتينية على سبيل المثال، صحيح أننا لا نستطيع الاختزال ولكن ظلت الرواية الروسية تدور فترة طويلة في فلك ثيمة الاشتراكية، وحتى إن حاول الكاتب الابتعاد فإنه يعجز عن ذلك، حتى وإن كان العنوان يوحي بأن الرواية اجتماعية مثلاً وهو ما ينطبق على العديد من الروائيين المعاصرين منهم، والذين بدأوا بمحاولة شق نهج خاص يحتاج فترة من الزمن حتى تثبت أركانه بمواضيع متنوعة ومختلفة». 

ويتابع: «كانت المدرسة اللاتينية في بدايتها مرتبطة بثيمة الواقعية السحرية، وبعض المواضيع السياسية كالديكتاتوريات، خصوصاً أن الكثيرين من روائييهم مارسوا الصحافة فانعكست بشكل كبير على ثيمات أعمالهم، ثم بدأت أعمالهم بالتنوع مع احتكاكهم واطلاعهم على مختلف الحضارات والثقافات، كالأوروبية والإسلامية، ومع سهولة عمليات التحرير والطباعة والترجمة في الوقت الحالي، ومع انتشار دور النشر بشكل كبير في العالم العربي، أصبح هناك تنوع جيد في ثيمات الرواية العربية، وحتى العالمية، ومن أبرزها الثيمة المرتبطة بالعملية القرائية بكل ما فيها من تفاصيل وخفايا ورسائل كالروايات التي ترتبط بحياة القارئ، أو بائع الكتب، أو التي يكون محورها المترجم أو التي يكون بطلها كاتباً مشهوراً أو مغموراً مناضلاً». 

مرآة المجتمع

 الروائية آن الصافي، تقول: «المبدع عادة يعكس ما يدور في مجتمعه من قضايا ومواضيع تشغله ليظهر ذلك في نصوصه، ما جعل مقولة إن الرواية هي مرآة المجتمع وثقافته هي المقولة الأقرب للصواب في وصف المنتج الإبداعي في كل حضارة وحقبة تاريخية بعينها، لذا ليس من الغريب أن نجد ثيمة الكتابة تعبر عن مجريات أحداث الواقع في إقليمنا، وبالتأكيد تعكس مواضيع الثالوث المفضل لدى مجمل كتابنا، وربما حتى النقاد، التاريخ-السياسة والجنس والدين، لكن الهجرة والسفر والترجمات وتوفر قنوات الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي والمسابقات الأدبية جعلت الاطلاع على ثقافة الآخرين أكثر يسراً ما كان عليه بالنسبة لأجيال سابقة، وبالتالي أصبحت تلك الأعمال والمواضيع للكثيرين مصدراً يستقى منه الأفكار للكتابة». 

وتضيف: «ربما منذ ديسمبر/ كانون الأول 2019 وحتى اللحظة، نجد أن فيروس كورونا المستجد، العدو الخفي الذي هجم على كوكبنا الأزرق، ووضع البشرية في مأزق وكارثة أقرب ما توصف به أنها حرب جثمت بظلالها على صدور الجميع، ومن دون استثناء، وهنا ظهرت قيمة العلم، وتابع سكان الكوكب مجريات الأحداث عن كثب. لقد وجدنا أنفسنا جنوداً في معركة، وكل منا له حكاية يرويها ورؤية لأثر ما مرّ، ويمر بنا، لذلك ليس من المستغرب الآن أن عدد جيد من النصوص الأدبية أصبحت تدور حول الجائحة وأثرها».

 الروائية منال جلال، تقول: «حتى في الأدب، يشيع مصطلح «التريند»، أو الاتجاه، أو السائد، بمعنى أن يتجه الكتاب معظمهم للكتابة في موضوعات محددة، تأثراً بالمناخ السائد؛ ففي فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كانت الرواية التي تحمل أفكاراً وجودية مؤدلجة هي السائدة، ثم، بسبب ازدهار الترجمة، تحول كثير من الكتاب إلى الواقعية السحرية، التي خفت سحرها، مع أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، ثم في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي كثرت روايات ما بعد الحداثة في الغرب، ولكن في عالمنا العربي، لم نواكب هذا التطور.

موضة كتابية 

 تقول الروائية منال جلال: في أواخر التسعينات بدأت ظاهرة الكتاب الشباب الذين تأثروا بسلسلة روايات الجيب، وبدافع من تقليد هذا النوع التشويقي المعتمد على الرعب والخيال العلمي، والذي بسبب من طبيعته تلك يرفض كثير من النقاد إدراجه ضمن مسمى الأدب، ظل ذلك النوع مسيطراً على ساحة النشر تقريباً حتى العام ٢٠١٥، وبعدها بدأ وهج هذا النوع من الكتابة يخفت، رغم أنه لا يزال له كتّابه وجمهوره من المراهقين، إلا أنه بدأ بالانحسار والتراجع ليفسح مكاناً لأدب حقيقي ثقيل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"