مارلين سلوم
كثيراً ما تميل سينما الخيال العلمي إلى رسم صورة سوداوية عن مستقبل الأرض والبشرية.. خيال يستدعي كل الكوارث والمصائب ويبحث عن أشكال غير مألوفة لنهاية الحياة على هذا الكوكب، ونادراً ما يلوح بصيص أمل لغد أجمل مما نعيشه اليوم أو مما عاشه الإنسان منذ عصور وحتى الآن. هذه النوعية من الأفلام تكون مقرونة بالرعب والجريمة ولا تصلح للأطفال، تماماً كما هو فيلم «أويك» أو «المستيقظ» الذي أطلقته حديثاً «نتفليكس» عبر منصتها، وتم تصنيفه «أكشن ومغامرات ودراما»، على الرغم من أنه خيال علمي بحت لا يخلو من بعض الرعب والكثير من التشويق والمفاجآت.
المخرج الكندي مارك راسو صوّر «أويك» في كندا، وانطلق بأحداث الفيلم الذي كتبه مع شقيقه جوزيف من سؤال غير مألوف: ماذا يمكن أن يحدث إذا فقد البشر قدرتهم على النوم؟ كي يحيك قصة خيالية حول تأثير النوم على عقل الإنسان، وبالتالي على الحياة وعلى الأرض.
مارك راسو الذي عرف طريقه إلى الجوائز العالمية بعد انطلاقه في عالم السينما بعامين فقط، وعلى الرغم من تقديمه للأفلام القصيرة في البداية، فإنه نجح في لفت الأنظار ونيل إعجاب النقاد والجمهور خصوصاً في الفيلم القصير «أندِر» عام 2011 والفيلم الطويل «كوبنهاجن» 2014، يقدم هذه المرة فيلماً قائماً على الافتراض، مستنداً إلى حقيقة علمية واحدة يتحدث فيها عن مدى حاجة الإنسان إلى النوم؛ كي يحافظ على توازنه وسلامة عقله وكي يبقى على قيد الحياة.
بلا تمهيد
لا يطيل راسو مقدمة الفيلم ولا يأخذنا في رحلة طويلة للتمهيد للقصة؛ بل يدخل مباشرة في صلب الموضوع، ويكتفي بمشهد بسيط نرى فيه البطلة جيل (جينا رودريجيز) تعمل حارسة أمن في أحد المستشفيات، تسرق الأدوية المسكنة والمنومة من مستودع صغير في المستشفى لتبيعها لأحد التجار. تذهب لاصطحاب ولديها المراهق نوا (لوسيوس هويوس) وابنة العشرة أعوام ماتيلدا (أريانا جرينبلات) وهما يعيشان لدى جدتهما دوريس وتحت وصايتها. ونفهم لاحقاً السبب وهو أن جيل عاشت الحرب وكانت مسعفة عسكرية وعانت تبعاتها وخصوصاً بعد وفاة زوجها الجندي في الحرب، فأدمنت وحكمت المحكمة بتسليم ولديها لجدتهما إلى حين التأكد من تعافيها تماماً. لا تكاد الأم تنطلق مع ولديها بالسيارة حتى تفقد السيطرة عليها وتقع عدة حوادث سيارات تؤدي إلى انطلاق سيارتها نحو البحيرة فتخرج منها ونوا سالمين بينما تجد طفلتها ماتيلدا على الضفة يسعفها شرطيان لتعود إلى الحياة بعدما ابتلعت كماً من المياه وفقدت وعيها لنحو دقيقة. لماذا تعد هذه التفاصيل مهمة؟ لأنها ترتبط بحقيقة ما يكشف عنها المؤلف في المشهد الأخير.
تلك الحوادث حصلت بسبب انقطاع الطاقة عن المدينة فجأة وبلا أسباب مفهومة، تعم الفوضى، المستشفى يعج بالمصابين، تنطلق التكهنات والشائعات سريعاً كعادة البشر في اختلاق تفسيرات لأي طارئ قبل التأكد من المعلومة. هناك من يقول إنهم الإرهابيون من فعلوا ذلك، وآخر يقول إن الصينيين بنوا هذه الأجهزة والآن يدمرونها، ربما فجروا نيويورك ولوس أنجلوس والآن جاء دور هذه المدينة. لا هواتف، لا كهرباء، لا بنزين. تعود الحياة شبه بدائية، التنقل بالعجل واستخدام الشموع للإضاءة. الأغرب والأخطر أن لا أحد في المدينة يستطيع النوم. وحدها ماتيلدا الصغيرة نامت ليلتها هانئة بلا أي أرق. كيف ولماذا؟ تحاول جيل إخفاء هذه المعلومة عن الجميع كي تحمي ابنتها، لكنها تفاجأ بصديقتها الدكتورة مورفي (جينيفر جيسون ليه) والطاقم الطبي العسكري يبحثون عن الأشخاص القادرين على النوم كي يضعوهم في معسكرهم ويجرون الأبحاث العلمية كي يفهموا ما الذي حصل وكيف يمكن الاستفادة منهم كي يبقى الجميع أحياء. امرأة عجوز وحيدة قادرة على النوم أتوا بها إلى المستشفى العسكري؛ لذا تخفي جيل حقيقة ابنتها وتحاول الخروج بها من المدينة مع ابنها.
فوضى
المعلومة العلمية التي يقدمها لنا المؤلف أن النوم مهم جداً للإنسان ومن دونه يبدأ بفقدان التركيز بعد 48 ساعة، وبعد 96 ساعة تبدأ الهلوسات يليها عدم القدرة على الحركة ثم تتوقف أجهزة الجسم ويقضي الإنسان أياماً مشلولاً حتى يتوقف القلب؛ أي الوفاة. لكن ما نراه في الفيلم حالة من الفوضى يتحول فيها البشر سريعاً إلى مجرمين ومنهم من تحول إلى «زومبي»، ومساجين يهربون وينطلقون في كل الاتجاهات، وهناك مجموعة من الأشخاص المسالمين يقفون وسط الشارع عراة، لماذا؟ لا تفهم.
ساعة و36 دقيقة لا يقع فيها المخرج في فخ الملل؛ بل يواصل التشويق والمضي في معركة الإنسان مع اليقظة والحرمان من النوم الذي سيؤدي إلى نهاية العالم أو ربما إلى نهاية البشر باستثناء القليل منهم الذين سيكتب لهم أن يبنوا المستقبل للعالم الجديد. المعركة الحقيقية التي ينشغل بها الجمهور هي معركة الأم لإنقاذ ابنتها من أن تتحول إلى حقل تجربة علمية فاشلة، وتحرص على تعليمها إطلاق النار؛ كي تعرف كيف تحمي نفسها من الكائنات التي ستبقى حية سواء من البشر أو الحيوانات التي تبين أنها لم تتأثر بانقطاع الطاقة باستثناء الشمبانزي أو البعض منها. جيل تعلم ابنتها قيادة السيارة وتشرح لها بعض الأمور الطبية وتبدو فعلياً تسابق الزمن كي تعطي ابنتها الكثير من المعلومات المهمة قبل أن تبدأ الأم في فقدان قدرتها على التركيز.
تتسارع الأحداث حين يصاب الجنود في المستشفى العسكري والفريق الطبي بالهلوسات ويقتلون بعضهم البعض ولا ينجو سوى جيل مع ولديها، لكن النهاية لا تكون كما نتوقعها؛ إذ يخبئ الأخوان راسو مفاجأة لن نذكرها حفاظاً على متعة المشاهدة والتشويق حتى النفس الأخير.
يمكن اعتبار الطفلة أريانا جرينبلات شريكة جينا رودريجيز في البطولة الأولى، فهي تتفاعل بكل مشاعرها وبعينيها المتوهجتين دائماً، أما رودريجيز فتجيد التنقل بين حالتي الأم المدافعة عن عائلتها بشراسة وبكل قوتها البدنية، والمرأة الضعيفة حين تبدأ بفقدان التركيز ويضعف بدنها حتى تصبح غير قادرة على التحرك. رودريجيز تتميز باستخدام لغة الجسد ببراعة للتعبير عن انتقال حالتها من القوة إلى الضعف ومن الصلابة إلى اللاإرادة.
الفيلم جيد ولولا بعض الأخطاء لاستطاع مارك راسو جعله عملاً شديد التميز خصوصاً أنه يتناول فكرة غير مستهلكة وقد اجتهد مع شقيقه في تقديم معلومات حول الحرمان من النوم، والأيام القليلة التي يستغرقها تدمير عقل الإنسان ووفاته سريعاً.