ما الذي يضمن لأمريكا قيادة العالم؟

00:33 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاطف الغمري

الرئيس بايدن أعلن مؤخراً أن أمريكا ستستعيد مصداقيتها لكي تقود العالم الحر. وبايدن يتميز بخبرته في السياسة الخارجية، وتنقّله في مناطق حروب وأزمات، وهو عضو في الكونجرس، ثم نائب للرئيس، مما أكسبه خبرة غرست في تفكيره مفهوم قيادة العالم، لكن السؤال الأهم هنا: هل الدول الأخرى مستعدة للتعاون مع أمريكا لتمكينها منفردة من هذا الهدف؟.

إن ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية هو أن الدول الحليفة والصديقة، سلمت للولايات المتحدة بالقيادة، لكن هذا التسليم كان مرتبطاً بالتزام أمريكي بحماية أمن هذه الدول، بينما هذا الالتزام لم يعد مضموناً، وراحت الشكوك تحيط به خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع بداية حكم أوباما، ثم في سنوات حكم ترامب، وعدم الوضوح التام إلى الآن، ولا تزال إدارة بايدن في حالة مراجعة لما كان، ولما هو قادم.

إن الولايات المتحدة حاولت خلال السنوات الأربع الماضية، صياغة موقع جديد لها في العالم، لكن ذلك امتزج به تغيير أسلوب تعاملها مع حلفائها التقليديين، باعتبارهم إما مصدر تهديد، أو أنهم عبء على الدولة الأمريكية. ولذلك اتسعت شقة الخلافات معهم في قضايا عديدة، منها تغير المناخ، والعلاقات التجارية، وغيرها. ويقول موقع «نيوز بوليتكس» الأمريكي، إن بايدن عند وصوله إلى الرئاسة ومن أول يوم له في البيت الأبيض، بدأ يواجه تحديات في السياسة الخارجية من تغير المناخ، إلى الإرهاب الدولي الذي صار مختلفاً عن إرهاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومن تحول إفريقيا جنوب الصحراء إلى ساحة تتجمع فيها وتتحرك منها منظمات إرهابية عابرة للحدود، إلى جانب تحديات من الصين، وكوريا الشمالية، وأمريكا اللاتينية، وروسيا.

وهناك حالات أخرى ليس مستبعداً أن تجلب لبايدن مشاكل مع دول صديقة أو حليفة. من ذلك رغبة بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما بدأ يسبب قلقاً سواء لإسرائيل، أو لأصدقاء أمريكا، والتي تخشى أن يقلل هذا الاتفاق من الضغوط الأمريكية ومن وجودها بالقوة داخل عدد من دول المنطقة.

إن كثيراً من التحديات كان ظهورها قد بدأ منذ عام 2017، ثم أخذت تتصاعد عاماً بعد عام، إلى أن وصل بايدن إلى البيت الأبيض، ليجد تحديات متجمعة معاً أمام الولايات المتحدة، من دول وميليشيات مسلحة ومنظمات إرهابية، ونشاط متزايد لعصابات المخدرات، والجريمة المنظمة، والمخترقين لشبكات الإنترنت. وهذا الحشد الجماعي للتحديات الخارجية لم يحدث على هذه الصورة منذ ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

هذه الحالة يصفها جون برينان المدير السابق للمخابرات المركزية، بقوله، إن إدارة بايدن ستواجه ظروفاً استثنائية نتيجة تجمع التحديات معاً دفعة واحدة، وكأنها تشكل شبكة واحدة، ما يجعل هذه التحديات أشد ترويعاً مما حدث في أوقات سابقة، والتي يتصدرها عدم المعرفة المؤكدة لدى أمريكا، بما تنويه كوريا الشمالية، وإيران، وروسيا، والصين.

ولما كان بايدن قد ركز في أجندته في الأيام الأولى لحكمه على التحديات في الداخل، من كورونا، إلى الاقتصاد والعمالة، ومواجهة تصعيد موجات العنصرية، فإن التحديات الخارجية في مناطق متعددة من العالم لن تنتظر تفرّغه لها، فهي تشكل ضغوطاً في مناطقها، وعلى مستوى العالم.

ثم إن جزءاً من فريق بايدن مرتبط بالسياسات القديمة في الشرق الأوسط، والذين كانوا شركاء فيها في فترة رئاسة أوباما. ومع رفض المجموعة الثانية في الفريق لهذه السياسة، فإن المجموعتين تواجهان وضعاً غير مسبوق في حالة انتقالهما من إدارة كانت تعمل في ظروف دولية، إلى إدارة أخرى تحيط بها ظروف دولية اختلفت تماماً عما كانت عليه في الماضي؛ بل لم تعد دول اتخذت منها أمريكا سياسات نشر الفوضى، وتطبيق سياسات تغيير الأنظمة، والتدخل في شؤونها الداخلية، ساحة مباحة أمامها، فمنها دول امتلكت زمام أمورها، وأصبحت قادرة على صدّ أي تدخلات عدائية في شؤونها.

والأمر ينطبق عليه نفس ما حدث من تغيرات من جانب قوى دولية في مناطق أخرى من العالم، منها تلك التي صنفتها الولايات المتحدة، منافساً استراتيجياً مثل روسيا والصين؛ تلك الدولتان صارت لهما مواقف متشددة في مواجهة أي تصعيد عدائي من جانب أمريكا تجاههما، وصارت تصرفاتهما تتصف بالثقة في النفس ولديهما قدرات على تحدي القوة الأمريكية، وهو ما يزيد التشكيك في نظرية قيادة أمريكا للعالم.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"