حماية مصالح الصين وراء البحار

تحديات توفير الضمانات والسياسة الخارجية
22:28 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
أندريا غيزيلي
أندريا غيزيلي أستاذ مساعد في كلية العلاقات الدولية والشؤون العامة بجامعة فودان ومدير مشروع «ChinaMed». تشمل اهتماماته البحثية السياسة الخارجية الصينية، ودور الصين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

 توسع الوجود العسكري الصيني في الخارج؛ لتحقيق الاستقرار في المناطق التي يكون فيها الوجود البشري والاقتصادي لها أكثر أهمية؛ حيث عملت على تحييد التهديدات الأمنية غير التقليدية ضدها. ومع ذلك، لا يزال صانعو السياسة الصينيون يواجهون التحديات والمعضلات المعقدة خلال طريق صياغة سياسة مستدامة تجاه هذه القضية الصعبة للغاية.

توفر حماية مصالح الصين في الخارج نافذة جديدة على صناعة السياسة الخارجية والأمنية الصينية، وتوضح على وجه الخصوص كيف أدت إدارة القضايا الأمنية غير التقليدية في الخارج إلى ظهور استراتيجية الصين للدفاع عن مصالحها في الخارج. 

 يناقش هذا الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد (4 إبريل/ نيسان 2021) باللغة الإنجليزية ضمن 304 صفحات، كيفية حماية مصالح الصين في الخارج، وفهم صناعة السياسة الخارجية الصينية. يأتي إصدار هذا الكتاب في وقت افتتحت فيه الصين لتوها أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي، وبذلك أقامت وجوداً عسكرياً طويل الأمد خارج آسيا.

 يبحث الكتاب في كيفية فهم الجهات الفاعلة الرئيسية المشاركة في صنع وتنفيذ السياسة الخارجية الصينية لمشكلة حماية أصول الشركات وحياة المواطنين الصينيين في الخارج، لا سيما في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وكيفية تفاعلهم مع بعضهم حسب أولوياتهم وتفضيلاتهم واهتماماتهم التنظيمية.

 تستكشف الفصول المختلفة في العمل جوانب وديناميكيات مختلفة داخل آلة السياسة الخارجية والأمنية الصينية، ويخلص التحليل إلى أن ظهور استراتيجية الصين للدفاع عن مصالحها في الخارج كان مدفوعاً إلى حد كبير بالأزمات. فقد كان إجلاء 36 ألف مواطن صيني من ليبيا في عام 2011 لحظة حاسمة في هذه العملية. من الآن فصاعداً، تبذل الصين جهوداً كبيرة؛ لتعزيز القدرات والتنسيق بين مختلف الأجهزة الخاضعة لسيطرة القيادة الصينية، وخاصة جيش التحرير الشعبي الصيني.

 استراتيجية الصين الوليدة

يتناول الكاتب في المقدمة استراتيجية الصين الوليدة لحماية مصالحها الخارجية؛ من خلال الوسائل العسكرية، كتغيير رئيس في التوجه الدولي للبلاد. يقول الكاتب: «كما هو الحال بالنسبة للقوى العظمى الأخرى في التاريخ، فهو اختبار أساسي لاستدامة صعود الصين». من أجل تسليط الضوء على هذه القضية، يعرض هذا الفصل نظرية توفير الضمانات الأمنية، ويعرض أصلها وآخر التطورات؛ وذلك لتجنب بعض المشكلات التي ابتليت بها أدبيات السياسة الخارجية والأمنية في الصين. وهو يفسر على وجه الخصوص سبب أهمية التركيز على دور التهديدات الأمنية غير التقليدية للمصالح الصينية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

 في الفصل الأول بعنوان «الحكومة الصينية وفكرة الأمن والسياسة الخارجية» يناقش الكاتب كيف دخلت قضية إرسال القوات المسلحة إلى الخارج والدفاع عن المصالح في الخارج، وتطورت في نقاش السياسة الخارجية الصينية. يكشف التحليل الوارد في هذا الفصل من الخطابات والوثائق الصادرة عن القادة الصينيين والمؤسسات الحكومية عن ثلاثة تغييرات مترابطة ومهمة حدثت منذ أواخر الثمانينات:

* أولاً، من مفهوم الأمان الجديد لجيانغ زيمين إلى الأمن القومي الشامل لشي جين بينج، كانت إدارة قضايا الأمن غير التقليدية على الدوام الدافع الرئيسي وراء توسع الأنشطة العسكرية الصينية في الخارج. 

* ثانياً، تغيرت القضايا الأمنية غير التقليدية في الخارج من اعتبارها فرصاً دبلوماسية يجب أخذها في عين الاعتبار، خاصة بعد إجلاء ما يقرب من 36 ألف مواطن صيني من ليبيا، باعتبارها تهديدات لشرعية النظام والأمن القومي الصيني. 

* ثالثاً، عندما بدأ يُنظر إلى الأزمات الأمنية غير التقليدية في الخارج على أنها تهديدات، أصبحت الأوامر الصادرة من القيادة المدنية إلى بيروقراطية السياسة الخارجية، وخاصة القوات المسلحة للاستعداد للعب دور أكبر في السياسة الخارجية في وقت السلم، أكثر إلحاحاً ووضوحاً.

 كيف كان رد فعل جيش التحرير الشعبي الصيني على قانون توفير الضمانات الذي بدأته القيادة المدنية؟ يوضح الفصل الثاني بعنوان «القوات المسلحة الصينية وتحديات العولمة» أن جيش التحرير الشعبي كان متردداً نسبياً في قبول فهم أكثر شمولاً للأمن يتجاوز الدفاع الإقليمي التقليدي، وبالتالي لدور أوسع لنفسه في السياسة الخارجية الصينية في وقت السلم. 

 كان نهج جيش التحرير الشعبي في المهام غير التقليدية مشابهاً لمنهج القوات المسلحة في البلدان الأخرى؛ حيث لم ينظر بشكل إيجابي إلى ما يُسمى بالاستخدامات التدخلية للقوة. في أعقاب الأزمة الليبية عام 2011، تغير موقف جيش التحرير الشعبي بطريقة لا لبس فيها، وأصبح موقف الجنود تجاه توسيع حافظة وقت السلم مشابهاً جداً لموقف المدنيين. بينما لعبت رغبة الجنود الطبيعية في المساهمة في أمن الشعب دوراً مهماً في هذه العملية، من المهم تأكيد مدى أهمية إنشاء علاقة سببية بين التهديدات الأمنية غير التقليدية والصراع فيما بين الدول داخل جيش التحرير الشعبي الصيني.

 تطور البصمة الصينية

 كيف ولماذا تطورت البصمة البشرية والاقتصادية للصين في بعض أكثر المناطق توتراً في العالم مثل شمال إفريقيا والشرق الأوسط؟ في الفصل الثالث بعنوان «من إصلاحات دنغ إلى ليبيا»، يرى الكاتب أن ذلك حدث كجزء من تكامل الصين مع الاقتصاد العالمي. بمرور الوقت، من استراتيجية التوجه نحو العولمة الخاصة بجيانغ زيمين إلى مبادرة «حزام واحد طرق واحد» الخاصة بشي جين بينج، سمح الدعم السياسي القوي لذلك بتخفيف الإطار الذي ينظم المكان الذي يمكن للشركات الصينية تنفيذ أي نوع من الأعمال فيه. على هذه الخلفية، بدأ وجود الشركات الصينية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في التطور مدفوعاً بضرورة تأمين الوصول إلى الطاقة والموارد الطبيعية الأخرى. ثم توسعت لتشمل تدفق البضائع من الصين إلى أسواق أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. ومع ذلك، فشلت الشركات الصينية في فهم أن حرية التصرف المتزايدة جاءت مصحوبة بمسؤولية تأمين النجاح، والأهم من ذلك، تأمين عملياتها في الخارج. هذا هو السبب في أنهم لم يكونوا مستعدين عندما اندلع الربيع العربي، وبالتالي، ظهرت حدود المصالح الصينية.

 لا يحدث توفير الضمانات الأمنية في فراغ؛ إذ يمكن للجهات الفاعلة الوظيفية الرئيسية أن تلعب دوراً مهماً للغاية في مساعدة العامل الأمني على فهم طبيعة التهديدات. في السياسة الخارجية، هذا صحيح بشكل خاص عندما لا يكون صنّاع السياسة على دراية بالقضية المطروحة، وبالتالي، هناك مجال واسع للجهات الفاعلة الأخرى للتأثير عليهم. ومع ذلك، يُظهر هذا الفصل بعنوان «مشكلات المعرفة في صنع السياسات» أن بيروقراطية السياسة الخارجية الصينية ومجتمع الخبراء كانا قادرين جزئياً فقط على المساعدة في عملية توفير الضمانات هذه. تنبثق هذه النتائج من معاينة تطور النظام الدبلوماسي الصيني من حيث الخبرة الإقليمية، والموظفون، والموارد، والمكانة السياسية. أما الخبراء في الجامعات والمراكز البحثية الصينية، يفتقرون إلى المهارات أو النفوذ لتحذير الحكومة من المخاطر التي تختمر في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. على نحو أكثر، لم يتمكنوا من تشكيل استجابة الحكومة للأزمة في تلك المناطق إلا بعد حدوثها.

 يقول الكاتب في الفصل الخامس بعنوان «الرأي العام الصيني وحدود المصلحة»: «على الرغم من أن الرأي العام ليس عاملاً حاسماً كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، لكن كبرت مساحته في الصين للتأثير على السياسة الخارجية على مر السنين؛ بفضل زيادة وصول السكان إلى الإنترنت، وتنوع وسائل الإعلام، والحقيقة البسيطة هي أن قادة الصين اليوم ليسوا أبطالاً ثوريين. وفي حين أن الرأي العام المحلي لا يمكنه تشكيل السياسة الخارجية للبلاد بشأن القضايا المتعلقة ب«المصالح الأساسية» للصين - الدور القيادي للحزب الشيوعي الصيني وسلامة أراضي الدولة وسيادتها - فإن الوضع يختلف عندما تكون المناقشة أقل حساسية. يعد النهج الصيني تجاه شمال إفريقيا والشرق الأوسط أحد تلك الموضوعات». يبحث هذا الفصل أيضاً في كيفية تأثير الرأي العام الصيني عبر الإنترنت على الروايات المحلية بشأن حماية المصالح الخارجية للبلاد. فهو يكشف عن بيئة متنازع عليها حيث كانت الإجراءات والخطابات التي طرحها صنّاع السياسة في كثير من الأحيان خارجة من تحت الضغط، في حين فضل المواطنون الصينيون نهجاً أكثر قوة للدفاع عن المصالح الخارجية للبلاد.

 حماية المصالح الصينية

عندما أصبحت القيادة الصينية أكثر وعياً بالتهديدات التي تتعرض لها مصالح البلاد في الخارج، يوضح الفصل السادس بعنوان «تهديدات متنوعة واستجابات متنوعة» أن الوكالات المختلفة الخاضعة لسيطرتها بدأت في التغيير والتكيف. يقول الكاتب: «في الوقت الذي كانت وزارة الخارجية أول من خضع لتغيير كبير؛ حيث تم بذل جهود كبيرة لإنشاء وتعزيز نظام الحماية القنصلية، أنشأ الحزب الشيوعي الصيني اللجنة المركزية للأمن القومي من أجل تحسين التنسيق بين الوكالات للرد على التهديدات الأمنية غير التقليدية في الخارج. حتى الشركات المملوكة للدولة حاولت التكيف مع الوضع الجديد، وفي تطور مثير للاهتمام، حاولت (وفشلت) الضغط على الحكومة من أجل مراجعة التشريعات وتوسيعها. بطبيعة الحال، كان على جيش التحرير الشعبي أيضاً أن يتغير. يكشف تحليل التطور المؤسسي والعقائدي للجيش الصيني عن التطور الملحوظ في التفكير بشأن العمليات العسكرية بخلاف الحرب في الخارج والإعداد المتزايد لتنفيذها في فترة ما بعد عام 2011».

 يرى الكاتب في الفصل السابع بعنوان «حراسة حدود المصلحة» أن فهم الحكومة الصينية المتغير للعلاقة بين قضايا الأمن غير التقليدية والسياسة الخارجية، أي نفس العملية وراء الوعي بضرورة حماية حدود المصالح، أدى إلى دفع وتشكيل البصمة العسكرية للصين في إفريقيا والشرق الأوسط منذ التسعينات. ويقول: «ليس من المستغرب أن تتغير الكمية والنوع والطرق التي تم بها نشر الأصول العسكرية الصينية هناك حيث أصبح صنّاع السياسة الصينيون أكثر اقتناعاً بضرورة استخدام الأدوات العسكرية لدعم الجهود المبذولة لحماية الأرواح وأصول المواطنين والشركات الصينية. ظهرت بنية أمنية صينية متعددة الأبعاد في السنوات الأخيرة مع وجود القاعدة التي افتتحت حديثاً في جيبوتي في مركزها. تغير وجود الجنود الصينيين من كونه يركز على الدولة إلى التركيز على منطقة فرعية، ومن الوجود الفردي إلى متعدد الأغراض». ومع ذلك، يوضح هذا الفصل أيضاً كيف أن مسألتين رئيسيتين - صعوبات العمل من خلال الأمم المتحدة والشكوك التقنية والقانونية - قد شكلت هذه العملية.

 يرى المؤلف في خاتمة الكتاب أن التصور القائل بأن الدول الأخرى أكثر مركزية وتنظيماً مما هي عليه في الواقع، كما أشار روبرت جيرفيس في كتابه الكلاسيكي «التصور والفهم الخاطئ في السياسة الدولية»، هو ظاهرة شائعة في العلاقات الدولية. اليوم، إحدى الأساطير الأكثر انتشاراً حول الصين هي كيف أن نموذجها السياسي فريد من نوعه، لأنها نجحت في إكمال مشاريع واسعة النطاق، من بناء أطول جسر في العالم إلى انتشال مئات الملايين من الناس من الفقر، بطريقة سريعة وفعالة. مع الانبهار بهذه الإنجازات، بغض النظر عن نجاحها الفعلي، غالباً ما يعتبرها كل من المؤيدين والمنتقدين دليلاً على قدرة الصين على اللعب بإيقاع هادئ ونَفَسٍ طويل، والعمل على استراتيجيات معقدة وتنفيذها. 

 المشاريع الكبيرة

 عندما يتم إنفاق الكثير من الوقت، ويتم تقديم العديد من التضحيات، واستهلاك الكثير من الموارد، يجب أن تكون هناك خطة. فكل عنوان، كل إعلان، كل بيان حول المشروع الكبير القادم يعزز هذه الأسطورة. تبدو مثل هذه الأساطير مفيدة ويمكن قبولها بسهولة لأنها تساعدنا على تبسيط الواقع وتبرير أفعالنا. إنها تتيح لنا بشكل ملائم الاضطرار إلى النظر إلى ما يكمن تحت السطح. هذا هو سبب إنشائها ولماذا تكون خطرة عندما يتم استخدامها كأساس للحجج السياسية في أزمنة التوترات المتزايدة في الشؤون الدولية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
لويس ألكسندر بيرج
1
سوزان روز أكرمان
1
تيري إل.كاراوي و ميشيل فورد
1
أولواسيون تيلا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
فيفيك شيبر
1
نيل ديفيدسون وجيمس فولي وبن راي
1
جاريد كوشنر
2
كارولا ديتز
1
هنرييت مولر وإنجبورج توميل
1
جرايسي ماي برادلي ولوك دي نورونها
1
أندرو موناغان
1
إيفا راسك كنودسن وأولا راهبيك