صعود العلوم العصبية

01:47 صباحا
قراءة دقيقتين

أليس من الحكمة إعادة التفكير العميق في الثورة التعليمية الجريئة التي أحدثتها اليابان في المرحلة الثانوية؟ قبل بضع سنوات، قالت السلطات: إن التنمية الاقتصادية اليابانية تحتاج إلى تضحية، لا بدّ من تقليص أعداد الدارسين في الفرع الأدبي لإعطاء مساحة أكبر للعلمي. لو جرى هذا في دولة أوروبية غربية لاندلعت التهم واصفة المسؤولين بأنهم يريدون حكماً ستالينيّاً في بلد ديمقراطي.
من أقصر السبل إلى الإحساس باتجاهات العلوم مستقبلاً، متابعة أغلفة المجلات العلمية ذات الوزن الأكاديميّ، مع ما في ذلك من السذاجة. سترى محاور تتكرر كأنها اللازمة في الموسيقى: الوعي، الدماغ، الذكاء لدى الإنسان والحيوان والآلة، كيف تتصور الروبوتات العالم، توجيه الآلة بالذهن، الكون وفيزياء الكم، الرياضيات والواقع.. تشعر تلقائياً بأن تيارات معيّنة تتشكل كبوصلة لذهنك: العلوم العصبية، الذكاء الاصطناعي، فيزياء الكمّ...
على أنظمة التعليم أن تدرك، الآن لا غداً، أن المايسترو في فرقة العلوم من الساعة فصاعداً، هي العلوم العصبيّة.
حالة التأهب القصوى، أي الاستعداد والإعداد، ضرورة الضرورات، فأعلم العلماء لا تزال معلوماتهم قطرة من بحر. ههنا الخطر، لأنهم مصرّون علميّاً منهجيّاً بلا هوادة، على اكتشاف أسرار الدماغ، الذي هو أعظم أسرار الكون.
معهم حقّ، فهم يحسّون بوخزة أبي العلاء الماكرة: «وما العلماء والجهّال إلاّ.. قريبٌ حين تنظر من قريبِ». بعيداً من الدعابة، نرى هول امتزاج الملحمة بالمأساة بالملهاة، وصدق الآية: «وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً» (الإسراء 85).
كبار علماء العلوم العصبيّة، تجري في أدمغتهم بيانات هي تيارات كهربائية، لكنهم يجهلون تماماً اللغة التي برمجت بها، كتبت بها، أو يمكن أن تقرأ بها. مثلاً: في معلوماتية الحاسوب الكلاسيكي، كل البيانات آحاد وأصفار، بينما نحن نراها مقالات وأفلاماً وصوراً وأصواتاً. أمّا التشابكات العصبيّة في الدماغ (مئة ألف مليار تشابك) فالعلماء لا يعرفون اللغة التي تعمل بها. وهي في أدمغة الحضرات.
آخر ما ثبت لهم أنه لا توجد منطقة معينة للتفكير، لصناعة الأفكار، كيمياء وكهرباء تبدع الإبداع والاختراع، الاكتشاف والاستشراف والاستشفاف، الابتكار وحياكة الأسرار، ونسج خيوط التنوير بالأنوار. هذا هو ما يحمل البشرى لمن يحملون رايات العلوم، ولغيرهم جسيم الأخطار. لا يأمننّ المتخلّف عن الركب عواقب غفلة الانتظار، فالفوارق قد تكون غريبة الأطوار.
لزوم ما يلزم: النتيجة التطوّرية: قفزات العلوم العصبيّة قد يعيد بها البعض شريط الانقراضات لنسخ بشرية سابقة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"