محطة ليبية جديدة

00:28 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

بين عاصمة وأخرى، ومن مؤتمر إلى آخر، ما زالت ليبيا تنتظر خطط إحلال السلام الدائم، مع ما يتطلبه ذلك من تفكيك لسلسلة من الأزمات المتراكمة، والتدخلات الإقليمية والدولية المعقدة، وتباين الاختلافات والطموحات بين الكيانات والشخصيات، وبعض قادة الميليشيات في الداخل، رغم أن الصورة العامة توحي بأن هناك بوادر استقرار وتطبيع للأوضاع السياسية والأمنية.

 الدول المعنية بالنزاع تجتمع مجدداً في مؤتمر «برلين-2» الذي يمكن أن تتعدد محطاته إلى اجتماعات أخرى في المستقبل، بالنظر إلى أن التحديات المطروحة لا يمكن أن يفضّها اجتماع واحد، فالمستجدات لا تتوقف، وهناك عراقيل، بعضها واضح للعيان، وبعضها الآخر يتحرك كالأشباح، وهناك خطر السلاح الذي يشكل تهديداً لأي مسعى حميد يحقق السلام والاستقرار، ويعيد الطمأنينة والازدهار لبلد حلّت به أسوأ نكبة في تاريخه الحديث.

  الدول المجتمعة في العاصمة الألمانية ستركز على نقطتين استراتيجيتين: توفير البيئة السياسية والأمنية لإجراء انتخابات عامة نهاية هذا العام، وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة. والعلاقة بين النقطتين تلازمية، فلن تنجح الأولى من دون تحقيق الثانية. وعلى أرض الواقع تبدو هناك صعوبات موضوعية تفرض نفسها وتعمل على عرقلة هذه النوايا، فهناك من الأطراف الدولية من يراهن على إفساد اتفاق وقف الحرب الذي تم التوصل إليه في «برلين-1» العام الماضي، بحجة أن نصيبه من الكعكة الليبية لا يلبي خططه وطموحاته. وفي الداخل، هناك ميليشيات متعددة الأحجام والأطماع ما زالت تتصرف كأن شيئاً لم يحصل، وليست هناك سلطة انتقالية جديدة، هي صاحبة الشرعية الوحيدة، وما سواها خارجون عن القانون. وإزاء هذه الوضع، تواجه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة تحديات جمّة، ولن تستطيع بمفردها تفكيك الكم الهائل من الألغام في طريق المرحلة الانتقالية.

  الليبيون في مجملهم مصممون على إعادة بناء الدولة وإعمار ما دمرته الحروب العبثية. كما أنهم مصممون على اجتثاث سلاح الميليشيات والكيانات المسلحة التي تدعي شرفاً لا تملكه. فقد أثبتت تجارب السنوات المُرة أن الاستقرار يكمن في العمل على إقامة نظام سياسي يمثل الليبيين، ولا يمثل وكلاء الأجانب. ولهذا السبب الجوهري فإن خروج القوات الأجنبية والمرتزقة سيكون المدخل الحقيقي لضبط الأمن وقطع التمويل والتسليح عن الميليشيات المحلية، على الرغم من أن تقارير متطابقة تؤكد استمرار الزج بالمقاتلين الأجانب والعتاد، كأن القوم يعدّون لحرب جديدة.

  الوضع الليبي بلغ مرحلة الاختناق، وآن الأوان كي يستعيد طبيعته. ومع أن التحديات والتهديدات كبيرة، يجب أن تتغلب مصلحة الوطن على الأجندات المشبوهة. وفي مؤتمر «برلين- 2» يجب على المعنيين بالأزمة أن يترفعوا عن الحسابات الضيقة ويخلصوا في تعهداتهم ونواياهم، فاستقرار ليبيا وازدهارها مصلحة إقليمية ودولية، والفوائد التي تأتي من السلام لن تحققها الحروب والصراعات وتمويل الميليشيات. فليبيا، الزاخرة بالثروات والفرص، لا تطلب من شركائها غير مساعدتها المخلصة للخروج من هذه المحنة. وبالمنطق السياسي، فإن المساعدة المأمولة واجب على كل طرف يرى نفسه معنياً بحل الأزمة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"