النظام الذي يحمي العدالة الاجتماعية

00:15 صباحا
قراءة 3 دقائق

د علي محمد فخرو

لقد طرحت الحراكات الجماهيرية العربية خلال السنوات العشر الماضية شعار العدالة الاجتماعية. وأية مراجعة للفكر السياسي عبر العالم كله ستظهر أنه مبثوث في أغلبها. وهو أحد أهداف المشروع النهضوي العربي.
   إذاً، سيبدو لنا نحن العرب أن الأمر واضح ومحدد، ومتفق عليه. لكن الأمر ليس كذلك، فمراجعة أدبيّاته ستظهر الكثير من الاختلافات حول مضمونه ومكوناته، حول أي نظام اقتصادي وسياسي ينجح وأي نظام يفشل في تطبيقه، حول الكثير من تفاصيل تطبيقاته، بل وحتى حول مسيرته التاريخية. وفي الآونة الأخيرة كثر الجدل حول الجهة التي ستكون مسؤولة عن تنفيذه في الواقع المجتمعي: سلطات الحكم، أم سلطات الاقتصاد والمال الخاصة، أم سلطات البر والإحسان الأهلية.
  بصورة عامة، متفق على أنه نظرية سياسية فلسفية تركز على أهمية القسط والعدالة في علاقات أفراد المجتمع، وعلى المساواة في توزيع ثروات المجتمع، وعلى تكافؤ الفرص الحياتية أمام الجميع، وعلى عدم التمييز في توفر المميزات الاجتماعية للجميع، مثل التعليم والصحة والسكن والحق في العمل والأجور المعقولة.   
   وتطرح الآن في بعض بلاد الغرب الغني ضرورة عدم وجود أية بطالة، وحق كل فرد في حصوله على راتب شهري طيلة حياته وتحت كل ظروفها المعيشية.
  وعلى المستوى السياسي الحقوقي يعتبر تمتع الأفراد بكل حقوقهم الإنسانية، المنصوص عليها في قانون حقوق الإنسان العالمي، ومن دون أي تفرقة، أو أي انحياز بسبب الجنس والعرق والانتماءات الدينية والاجتماعية، جزءاً مفصلياً من شعار العدالة الاجتماعية. يضاف إلى ذلك حق المشاركة في نظام التصويت العام واتخاذ القرارات المجتمعية من دون أية عوائق أو حجج.
  ونحن أمام مساحة تكبر وتتغير بصورة سريعة كإدخال قضايا البيئة والعنف الأمني البوليسي ومعاملة وحقوق اللاجئين في صلب هذا الموضوع.
  وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو: أي نظام سياسي واقتصادي هو الأقرب لتوفير كل تلك الخدمات الاجتماعية بصورة أقرب إلى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وأي نظام هو الأبعد، ويمارس التلاعب بتلك الخدمات والمناداة بها مظهرياً وبأشكال لا تُعد من المراوغة والكذب؟ ذلك أن كل تلك المكونات للعدالة الاجتماعية تحتاج إلى سلطات حكم وإدارة، وإلى مصادر مالية لا تتوفر إلا في نظام اقتصادي معقول وغير استغلالي.
  أما النظام السياسي المطلوب فهناك شبه إجماع بضرورة أن يكون ديمقراطياً تمثيلياً شرعياً غير فاسد، ويتمتع بشفافية وانحياز للمهمشين والفقراء وممارسة لقيم الحق والعدالة إلى أبعد الحدود. إنه نظام لم يصل إليه أي مجتمع، وسيحتاج إلى نضال  بشري مرير لبلوغه. ولكنه هدف يجب عدم التنازل عنه قط، حتى ولو تم تدريجياً. ومن دونه ستظل العدالة الاجتماعية ناقصة ومتعثرة ومقتصرة على أقلية من هذا النوع، أو ذاك.
 والاختلاف الكبير هو حول النظام الاقتصادي المطلوب، والذي لن يقف في وجه تلك العدالة الاجتماعية بسبب الأسس الإيديولوجية التي ينطلق منها، كما فعل النظام الرأسمالي النيوليبرالي الذي فرض على العالم عبر السنوات الأربعين الماضية، والذي ينادي بحرية السوق الكاملة غير المنضبطة، وبعدم تدخل سلطات الحكم في الشأن الاقتصادي إلا بالنزر اليسير الذي يرضاه أصحاب الثروات الهائلة، وبالتركيز على أهمية الفرد وفردانيته الحرة الأنانية على حساب حاجات ومصالح المجتمع. هل مثل نظام اقتصادي كهذا يمكن الثقة بقدرته على صيانة منجزات العدالة الاجتماعية، وتعايش جنونه وهلوساته مع قيم وأخلاق تلك العدالة؟
  في اعتقادي أن شعار الاشتراكية الذي طرحته الإيديولوجية القومية العروبية في الماضي، ويراد تبديله بشعار عائم مملوء بالاختلافات، من مثل شعار العدالة الاجتماعية، يجب معاودة بحثه، وهذا ما سنطرحه في كتابات مقبلة، إذ إن الموضوع مطروح على مستوى العالم كله، وفي قلب قلاع الرأسمالية نفسها.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"