الشارقة: زكية كردي
تتسم نظرة العالم الغربي لآلة العود بالإعجاب وحب الاطلاع، فمنذ أواسط القرن العشرين بدأ الغرب بإعطاء مساحة كبيرة في البحوث والدراسات العلمية من خلال علم موسيقى الشعوب الذي يعنى بدراسة الموسيقى العالمية خارج أوروبا، ومنها الموسيقى الإفريقية والمشرقية، وهذا راجع إلى حركة الانفتاح التي شهدها المجتمع الأوروبي الغربي آنذاك على العالم وعلى سحر الفن في الشرق.. كما يخبرنا عازف العود التونسي بشير غربي، محترف ومؤلف موسيقي وأستاذ في الموسيقى وعلم الموسيقى وتفسير العود، في حديث معه على هامش مشاركته في ملتقى العود العالمي بأبوظبي، الذي عقد مؤخراً في جولته الافتراضية الأولى.
يقول غربي: كانت أولى التجارب الموسيقية العالمية التي مهّدت لبناء هذه العلاقة «بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية وآلة العود» من خلال عرض للأب المؤسس لمدرسة العود العراقية، الشّريف محيي الدين طارقان (الملقب بحيدر في شمال العراق) مع أوركسترا سمفونية بأمريكا سنة 1927..ثمّ من بعده ثلّة من تلامذته المتميّزين، ولعل أبرزهم جميل بشير، ومنير بشير، ويعتبر هذا الأمر بمثابة اللبنة الأولى للانطلاق نحو عولمة آلة العود.
ويؤكد غربي أن العالم شغوف بدرجة كبيرة بالتعرف على أسرار العود. وفيما يتعلق بقضية المزج بين الموسيقى الغربية والموسيقى العربية، فيرى غربي أن هذه الأخيرة غدت متجدّدة بشكل مستمر ومتنوع، فهي لا تنفك تندرج في سياق جدلية سرمدية مبنية على عملية المثاقفة بين مختلف طرق التعبير الموسيقي والفني من خلال رؤى وزوايا نظر مختلفة، وهذا تحكمه بالطبع معادلة التأثر والتّأثير، فعلى سبيل المثال يمكن أن نتمعن في موسيقانا العربية كيف استعارت ووظفت عديد المهارات الموسيقية الغربية (طبعاً شريطة ألاّ تمسّ من جوهرها) على مستوى الكتابة الموسيقية، كالطريقة البوليفونيّة والهارمونيّة والتي أضحت تقنية لا غنى عنها في بلورة الأغنية العربية المعاصرة، وفي الاتجاه الآخر نرى كذلك كيف يوظف الموسيقيون الغربيون روح الموسيقى الشرقية والتي يمكن تجسيدها في الكتابة الأفقية ذات الخطّ اللحني الواحد والمتجدّد، في بلورة أفكارهم وصورهم الموسيقية، إضافة إلى دعوتهم لعازفين مشرقيين وعرب حتّى يستفيدوا من الجمال الصوتي للموسيقى العربية في عملية التعبير، ونجد هذا الأمر خاصة في الموسيقى التصويرية وفي ذلك أمثلة كثيرة.
عن مشاركته في ملتقى العود العالمي بأبوظبي في دورته الافتراضية الأولى لعام 2021، قال: تُعتبر هذه المشاركة بمثابة تشريف لمسيرتي وخبرتي الفنية في عالم آلة العود بالنسبة لي، وفي هذا الإطار أودّ أن أعبّر عن فائق الشكر والتقدير لإدارة مهرجان أبو ظبي والفنان د. نصير شمة على دعوتهما لي للمشاركة في فعاليات هذا المهرجان، فأنا سعيد جداً بهذه الدعوة والمشاركة، فالتعاون مع «مهرجان أبوظبي»، الذي برهن للعالم على مدى تقديره لآلة تُعتبر القلب النابض للموسيقى العربية، وخاصة آلة لتنظير العلمي لموسيقانا العربية والإسلامية على مرّ العصور يعني لي الكثير، أضف إلى ذلك أنها الآلة المحورية للترات الموسيقي الإماراتي، وحقيقة أوّد أن أعبّر لهم عن خالص الشكر والتقدير للجهد المبذول من جهتهم، في سبيل إنجاح هذا الملتقى العالمي للعود.