قمة بايدن ـ بوتين وجليد العلاقات

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. فايز رشيد

هل غيرت القمة الأولى بين الرئيس الأمريكي جو بايدن، والرئيس الروسي بوتين، من طبيعة العلاقات بين دولتيهما؟، وهي القائمة معظم الأحيان على الحذر. فقد سبقت انعقادها تصريحات غير مشجعة من الجانبين؛ إذ اعتمد الرئيس الأمريكي لهجة حازمة في الأيام الأخيرة قبيل القمة حيال رجل الكرملين القوي ليُبرز الاختلاف الواضح بين الدولتين حول ما أسماه ب«الخطوط الحمراء»، إنْ بشأن الأسلحة النووية والأمن السيبراني، أو المعارض الروسي نافالني؛ لذا انطلقت القمة في ظروف تمر فيها علاقات البلدين بأسوأ مراحلها، حسب مسؤولين أمريكيين وروس. 
ففي ختام قمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل مؤخراً، قال بايدن في مؤتمر صحفي: «نحن لا نسعى إلى نزاع مع روسيا، لكننا سنرد إذا واصلت أنشطتها». وعند وصوله إلى جنيف وعد بأنه سيحدد لنظيره الروسي ماهية «الخطوط الحمراء» بالنسبة للولايات المتحدة.
ويتفق خبراء على أن بايدن قد حقق مبتغاه؛ إذ إن عقد القمة في حد ذاته دليل على أهمية روسيا على الساحة العالمية.
من جانبه يرى الرئيس الروسي أن القمة كانت مهمة. وكانت أولى نتائجها عودة السفيرين الروسي والأمريكي إلى عمليهما في واشنطن وموسكو، كما بيّن الجانبان أنه تم الاتفاق على بدء مشاورات بين وزارتي الخارجية الروسية والأمريكية، حول كافة اتجاهات التعاون بين الطرفين. من جانبه قال بوتين أيضاً في مؤتمر صحفي له: «بدا لي أن الجانب الأمريكي مصمم على إيجاد حلول للقضايا العالقة»، وأن الجانبين أبديا رغبة في إيجاد سبل لتقريب المواقف بينهما. كما أوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مشاورات حول الأمن الإلكتروني. وفي ما يتعلق بالمعارض الروسي نافالني أجاب الرئيس الروسي، أنه أوضح لنظيره الأمريكي أن المعني انتهك القانون الروسي، مضيفاً أن روسيا لا تنفذ أية تدريبات عسكرية على حدود الولايات المتحدة التي تُجري مناورات قرب الحدود الروسية. وحول وصفه بالقاتل، قال بوتين: «أنا مرتاح إزاء توضيحات الرئيس الأمريكي بهذا الصدد». وقال إن «الولايات المتحدة أعلنت روسيا عدواً لها، وخسائرها من العقوبات (على روسيا) ليست أقل من خسائر روسيا».
وبتقييم حقيقي لأعمال القمة يتضح أنها كانت قمة علاقات عامة أكثر منها قمة لإيجاد الحلول الحقيقية للمشاكل العالقة بين البلدين، على الرغم من أن الرئيسين تبنيا في ختام القمة إعلاناً مشتركاً يتحدث عن قضايا عامة بلهجة دبلوماسية، خاصة بالنسبة لما سمي ب«الاستقرار الاستراتيجي».
صحيح أن بايدن أفهم بوتين أنه ليس كسلفه الجمهوري دونالد ترامب وغموضه، ووعد بأنه سيحدد لبوتين ماهية «الخطوط الحمراء» بالنسبة إليه، وللولايات المتحدة عموماً. ويتفق خبراء على أن بايدن قد حقق مبتغاه على هذا الصعيد. وقال جون ديمرز المكلف بقضايا الأمن القومي بوزارة العدل الأمريكية، إن هناك الكثير من الهجمات الإلكترونية تُنفذ من الأراضي الروسية، وكانت هذه المسألة على قائمة المباحثات بين الرئيسين خلال القمة. وتنفي روسيا ذلك، وتتهم واشنطن بالتدخل في شؤونها عبر دعم المعارضة، أو تمويل منظمات ووسائل إعلام تنتقد الكرملين. 
القمة هيمنت عليها الخلافات و«الخطوط الحمراء» التي لم ولن يتم حلها، فالقوات الأمريكية ستبقى محيطة ببعض البلدان المجاورة لروسيا كبولندا وبعض دول البلطيق، التي كانت ضمن ائتلاف الاتحاد السوفييتي، وهذا ما يُقلق الزعيم الروسي الذي تحدث عن ذلك مراراً، تماماً كما هو الخلاف حول أوكرانيا، وأيضاً النهج الروسي حول كيفية التعامل مع المعارضين الروس.
يذكر أن المدينة السويسرية استضافت أول لقاء مباشر بين رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف عام 1985، وهو العام الذي شهد بداية جزئية لذوبان الجليد في الحرب الباردة. ورداً على سؤال عند وصوله إلى جنيف عن شعوره قبيل القمة التي يتابعها العالم، قال بايدن: «أنا مستعد دائماً».
لقد اعتمد الرئيس الروسي على خبرته الطويلة، فقد عاصر عهود 4 رؤساء أمريكيين آخرين منذ وصوله إلى السلطة في نهاية 1999. ثم علينا الأخذ بعين الاعتبار، أن الرئيس الأمريكي هو في الحقيقة واجهة للمجمع الصناعي العسكري المالي، بمعنى آخر، فإن القمة لن تزيل جليد العلاقات بين البلدين، لكنها بالتأيد ستخفف منه.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"