أرمينيا ولبنان.. وحدة المسار والمصير

00:38 صباحا
قراءة 3 دقائق

جرت، يوم الأحد الماضي، في أرمينيا، انتخابات نيابية مبكرة بناء على الضغوط التي تعرض لها رئيس الوزراء نيكول باشينيان الذي جاء إلى السلطة على رأس حزب الاتفاق الاجتماعي، واضطر لطلب الانتخابات المبكرة بعد الانتقادات التي وجهتها له المعارضة إثر الهزيمة الكارثية التي تعرضت لها أرمينيا، وخسرت بموجبها معظم ناجورنو كاراباخ الأرمنية وجميع الأراضي المحيطة بها والتي كانت تسيطر عليها أرمينيا منذ مطلع التسعينات.
 «حرب ال44 يوماً» كما أُطلق عليها، تسببت بكارثة وطنية لأرمينيا تعد الثانية من حيث الحجم والتأثير بعد حرب الإبادة التي تعرض لها الأرمن في عام 1915. وإذا كان مرتكبو الإبادة حينها لوحِقوا وقتلوا ولا تزال نتائجها تطاردهم أينما حلّوا، فإن الكارثة الأرمنية الجديدة في ناجورنو كاراباخ لا يبدو أن لها التأثير نفسه.
 فالأرمن اعترضوا عام 1922 على قرار جوزف ستالين، وكان وزيراً للقوميات، إلحاق ناجورنو كاراباخ الأرمنية بجمهورية أذربيجان على أنها منطقة حكم ذاتي. وانتظر الأرمن سبعين عاماً، أي إلى حين تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1990، فاعتبروا ناجورنو كاراباخ مستقلة عن الأذريين، بل سيطروا على أراض أذرية تفصل بين ناجورنو كاراباخ وأرمينيا، وقاموا بالوصل الجغرافي بين المنطقتين. وقد استمرت هذه الحالة حتى آخر سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما نجحت أذربيجان، في استعادة نصف كاراباخ، وكل الأراضي المحتلة، وجرى التوقيع على اتفاقية تتضمن فتح ممر بري تركي، مثل آليات وسكة حديد، من نخجوان (أي من تركيا عملياً) إلى أذربيجان، عبر الأراضي الأرمنية نفسها، بما يؤمّن للمرة الأولى التواصل الجغرافي بين تركيا، والعالم التركي.
 في الدول التي تحكمها قواعد دستورية وقانوية، تتم محاسبة المقصرين، فكيف إذا كان الفعل الذي تسبب فيه باشينيان  قد تسبب   وفقاً للمعارضة  في ضياع أحد أهم إنجازات القضية الأرمنية في مطلع التسعينات؟
 في جميع الأحوال، فإن باشينيان، دعا إلى انتخابات نيابية مبكرة. وكانت المفاجأة أن حزب باشينيان، (الاتفاق الاجتماعي)، أو (العقد المدني) فاز في الانتخابات ب54 في المئة، وبفارق كبير عن حزب المعارضة «تحالف أرمينيا» بقيادة الرئيس السابق روبرت كوتشاريان الذي نال 22 في المئة، وحلّ حزب ثالث بنسبة خمسة في المئة ليحصد باشينيان 71 من أصل 105 مقاعد مجموع أعضاء البرلمان.
 ويستطيع باشينيان أن يقول إنه باق في السلطة بناء على الإرادة الشعبية. وهذا صحيح. لكن هذا ينقلنا إلى التساؤل عن مآل القضية الأرمنية في عهد باشينيان. فإذا كان الشعب الأرمني كافأ رئيس وزرائه في الانتخابات، فما الذي يمكن أن يأمله المواطن الأرمني العادي الباحث عن هويته منذ أكثر من مئة عام؟
 هذا يدفعنا للاعتقاد بأن القضية الأرمنية ستكون أمام امتحان صعب في المرحلة المقبلة، وستكون المطالب الأرمنية في الاعتراف بالإبادة واستعادة الأرض والتعويضات أمام احتمال التفريط فيها.
 ذلك أن ما جرى في حرب ال44 يوماً كان يوجب مساءلة المتسببين بالهزيمة، وهي ليست هزيمة عادية. ولكن بما أن هذا هو قرار الشعب فعليه أن يتحمل مسؤولية صيرورة القضية الأرمنية والاتجاه الذي قد تسلكه.
 وهذا بالمناسبة ينقلنا للحديث، بل المقارنة مع الوضع في لبنان، حيث تم تكليف سعد الحريري بمهمة تشكيل حكومة جديدة «تنقذ» لبنان من الانهيار الشامل، علماً بأن لبنان قد انهار في «ثورة» 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وكان الحريري رئيساً للحكومة. وعلى هذا فإن نواب البرلمان اللبناني قد كلفوا الشخص المتسبب هو، وغيره، بالانهيار للخروج من الأزمة، وهذا لعمري لا يركب على قوس قزح كما يقال. وغداً، أي بعد سنة، ستجري الانتخابات النيابية، وسنرى كيف أن الشعب اللبناني سوف يعيد، وأؤكد على ذلك، معظم النواب، أو الأحزاب التي تسببت بالانهيار إلى السلطة. لتلتقي أرمينيا بذلك مع لبنان في عدم وضوع الرؤية أو تحديد المسؤوول عن الإخفاقات، وبالتالي استمرار مأزق الهوية وتأكيد شعار «كما تكونون يُولّى عليكم».

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"