الاختبار التركي في عواصف المتغيرات

00:45 صباحا
قراءة 4 دقائق

السياسة الخارجية التركية الحالية في حيرة بالغة بين خيارات متضاربة، تتراجع ولا تراجع، كأنها تبحث عن أرض صلبة تقف عليها دون أن تصل إلى وجهتها الأخيرة.
بما هو ظاهر، فإن مواقفها المستجدة تغلبها «براجماتية» زائدة دون أفق معروف لما يمكن أن تذهب إليه في ملفات ملغّمة تدخل في شواغل قوى إقليمية ودولية نافذة.
وبما هو معلن، فإنها تسعى إلى التهدئة مع مصر ودول الخليج دون أن تراجع  في العمق  أسباب الصدام ودواعيه، وتعمل على خفض التوتر مع اللاعب السياسي الأوروبي، خاصة فرنسا، في أزمتي ليبيا وغاز شرق المتوسط، دون أن تتراجع عما اتخذته من مواقف وعقدته من اتفاقيات مطعون على شرعيتها مع حكومة الوفاق الوطني التي كان يترأسها فائز السراج.
ثم إنها تسعى أولاً وقبل كل شيء، إلى ترميم جسورها مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقدر حاجتها إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية في الأزمات المنخرطة فيها.
كان مؤتمر «برلين 2» اختباراً حقيقياً للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه أنقرة في الأزمة الليبية، كما كان كاشفاً لقدر انعكاس المتغيرات العاصفة في العالم والإقليم على السياسة التركية، التي تحاول أن تتلاءم مع حقائقها دون تخل  بقدر ما هو ممكن  عن جوهر مواقفها.
في ذلك المؤتمر تأكد التوافق الدولي على أولوية «سحب المرتزقة الأجانب بشكل متوازن ومتواز»، في إشارة غير خافية إلى المرتزقة التابعين لأنقرة والمحسوبين على موسكو.
حدثت تفاهمات أولية روسية تركية في الكواليس على بدء سحب المرتزقة بشكل تدريجي ودون إخلال بموازين القوى الحالية. ليس هناك ما يطمئن إلى أن ذلك سيحدث فعلاً باليسر الذي كتبت به مقررات «برلين 2».
تفجير الموقف سيناريو غير مستبعد، والألغام السياسية والأمنية ماثلة في المشهد، بما يهدد إجراء انتخابات ليبية نهاية العام تتولد عنها سلطة شرعية تعيد بناء مؤسسات البلد المتهدمة؛ توحد مؤسسته العسكرية وقواه الأمنية، وتضع حداً لمعاناة مواطنيه.
لا تمتلك حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دولياً، أية سلطة فعلية لإنفاذ واجباتها الأمنية والإشراف بنفسها على سحب المرتزقة، فأهدافها تتلخص في تنفيذ مقررات النسخة الأولى من مؤتمر برلين، وإجراء انتخابات عامة قبل نهاية هذا العام، وهكذا فإن ما جرى التوافق عليه في «برلين 2» هش إلى حد كبير ومرشح للانتكاس.
كل طرف متدخل في الأزمة يحاول أن يفهم مخرجات «برلين 2» على النحو الذي يخدم مصالحه، لا مصالح الشعب الليبي. الروس ينفون أن تكون لهم صلة ب«مرتزقة فاجنر»، أو أن الكرملين هو من جلبهم إلى الأراضي الليبية، وغير مستعدين  في الوقت نفسه  للتخلي عن أية مكاسب استراتيجية حازوها.
والأتراك يتنصلون بصورة أو أخرى من المرتزقة السوريين الذين أرسلوهم إلى ليبيا، لكنهم يتحفظون على الدعوة لسحب القوات الأجنبية، استناداً إلى أن وجودها «شرعي»، وفق مذكرة أمنية موقعة مع حكومة «السراج».
بالنسبة لمصر وأطراف عربية أخرى، فإنها لم تكن تخفي قلقها البالغ من التمركزات العسكرية التركية بالقرب من حدودها الغربية التي كادت تُفضي إلى مواجهات عسكرية بالسلاح قبل أن يتم التوصل إلى تفاهمات وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار برلين وما أعقبه من فتح حوارات معلنة وغير معلنة بين القاهرة وأنقرة.
وبالنسبة للولايات المتحدة وأطراف أوروبية عديدة، فإن تقليص النفوذ الروسي في ليبيا، أولوية مطلقة، تدعو إلى سحب جميع المرتزقة، لكن عينها أولاً على مرتزقة «فاجنر».
هناك أثمان ستدفع لإدماج تركيا مجدداً في المنظومة الاستراتيجية الغربية تحت قيادة الولايات المتحدة، أول استحقاقاتها إسناد دور أمني في حماية مطار كابول بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، خشية انهيار الحكومة ونشوء إمارة إسلامية على أنقاضها.
كان اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع بايدن، إشارة أولى إلى إعادة توصيف الأدوار والعلاقات والمصالح بين البلدين.
المتغير الأوروبي حاضر بدوره في الحساب التركي الجديد. إذا كان هناك خيار افتراضي الآن، بين فرنسا وتركيا، فإنه باليقين فرنسا، لا تركيا، كما كان الأمر وقت ترامب.
بحقائق القوة والمصالح فرنسا ذات أهمية جوهرية في استراتيجية بايدن، بحسبانها أهم لاعب سياسي في الاتحاد الأوروبي؛ الشريك الطبيعي في إعادة بناء التحالف الغربي في مواجهة الصين وروسيا بدرجة أقل.
كان لقاء أردوغان مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إشارة أخرى إلى تغيير الدفة في السياسات التركية من الصدام المحتمل إلى التفاهم الممكن.
بحكم موقعها وحجمها وأدوارها في حلف «الناتو»، فإن هناك حاجة استراتيجية إلى تركيا. مزعجة أحياناً، لكنه لا يمكن الاستغناء عنها.
عواصف المتغيرات دفعت السياسة التركية إلى طلب المصالحة مع مصر ودول الخليج في وصلات غزل دبلوماسي مفاجئة، بداعي تجنب تفاقم الأزمات الداخلية على خلفية التورط في سوريا والصدام مع مصر لأسباب أيديولوجية على خلفية ما جرى قبل ثماني سنوات في 30 يونيو 2013.
القضية ليست في إجراء أو آخر؛ تقدم مفاجئ أو انتكاس مؤقت، بقدر ما أن تجري المصالحة على أسس واضحة تؤسس لعلاقات صحية ومستدامة.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"