ثورة إنقاذ

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

في تاريخ العالم ثورات عدة قامت بها شعوب مختلفة كان هدفها التغيير، تغيير النظام السياسي وتحقيق إصلاح اجتماعي. وفي التاريخ المصري ثورات لم تحقق أهدافها، مثل ثورة عرابي ضد فساد الخديوي وضد التدخل الأجنبي، وأيضاً ثورات حققت أهدافها مثل ثورة ١٩١٩ التي كان من أهم نتائجها وضع دستور حقيقي وبدء حياة ديمقراطية حزبية نيابية، وثورة ١٩٥٢ التي قضت على الإقطاع وحوّلت مصر من ملكية إلى جمهورية، وثورة ٢٥ يناير التي أسقطت نظام حكم، وبدلاً من أن تكون نقطة انطلاق مصر نحو المستقبل جرّتها إلى الماضي، وألقت بها في مجاهل التاريخ، وحولتها من دولة مركزية إلى دولة هامشية، منبوذة في محيطها ومهددة في مصيرها.
  ثورة ٣٠ يونيو، كانت مختلفة، فلم يكن هدفها التغيير فقط، ولكن إنقاذ وطن وإحياء شعب، وطن سرقه لصوص الأوطان، وشعب خدعه تجار الدين وأوهموه بامتلاكهم الحلول لكل مشاكله، وأن لديهم عصا موسى التي ستحقق له المعجزات وتنقله إلى مكان متقدم بين شعوب العالم، فإذا بهم يأخذونه خلفهم ليغرق في مستنقع، ويعاني معاناة شعوب العصور الوسطى، حيث لا كهرباء ولا وقود ولا طعام إلا بشقّ الأنفس، لتفقد الحياة طعم الحياة، ويقضي الناس معظم وقتهم في طوابير لأجل رغيف عيش، أو وقود سيارة، أو يقضونه جالسين وأيديهم على الخدود انتظاراً لعودة الكهرباء، أو لعودة الحياة التي سلبها العجزة، وتركوا الناس يعانون ويتألمون. 
  بعد أشهر معدودة من حكم المرشد، اكتشف الشعب المصري أن ثمة مؤامرة تحاك ضد أم الدنيا، لتجعلها في ذيل الدنيا، وأن الجماعة الإرهابية هي أداة المتآمرين الكبار لتحويل مصر من دولة بحجم التاريخ البشري وبقيمة الحضارة  الإنسانية، إلى دولة ضئيلة الدور وعديمة التأثير، وتقزيمها لتصبح مجرد ولاية، لا تتسع سوى للفصيل الإخواني ضئيل الوعي، ومحدود الأفق، وانتهازي الفكر، مؤامرة لتحويل العملاق إلى قزم، متناسين أو متغافلين أن مصر موجودة قبل أن يوجد التاريخ، وأنها ظلت عبر مراحله المختلفة عصية على السقوط.
  الغريب أن المتآمرين على مصر اختاروا الفصيل الأغبى لتنفيذ مخططهم، فبعد أن اختار التسلل باسم الدين إلى مشاعر ضعاف النفوس على مدى ٨٠ عاماً، انقلب على نهجه بمجرد وصوله إلى الحكم، كأنه لم يصدق أنه اعتلى عرش مصر، وبدأ نهجاً جديداً لاستعداء جميع فصائل الشعب ومختلف قطاعاته المهنية وفئاته الاجتماعية، واستخدم عصا الإرهاب وسيلة لفرض سطوته على شعب وقف في وجه عتاة الإرهاب السياسي عبر التاريخ، وبدأ بالعبث بمؤسسات الدولة بتغيير أصحاب المناصب القيادية في العديد من المؤسسات، واستبدل بهم عناصر إخوانية فاقدة للمؤهلات التي يقتضيها المنصب، ما خلق حالة من الغضب في دواوين العمل المختلفة.
 وفي القطاعات التي عجز عن العبث بها اتخذ الترهيب نهجاً معها، فحاصر المحكمة الدستورية العليا بعد أن حاول حرقها، وحاصر مدينة الإنتاج الإعلامي بعد أن فضحه الإعلام وكشف عوراته السياسية والدينية والاجتماعية على الملأ، وارتكب الجرائم في حق الغاضبين الذين يتظاهرون رفضاً له، وستظل مذبحة الاتحادية شاهداً تاريخياً عليه، واستعدى رجال الشرطة، وحاول اختراق القوات المسلحة ولكنه اكتشفها محصنة ضد عبث العابثين. 
  قرارات وإعلانات دستورية وسلوكات همجية وتصريحات استفزازية وتصرفات لا منطقية وعفو عمن لا يستحق العفو وإفراج عن عناصر إرهابية ارتكبت من الجرائم ما لن يغفره التاريخ  وخيانات للوطن لمصلحة من يريدون له السوء.. كل ذلك أيقظ الشعب المصري من سبّاته، وفجّر فيه مشاعر الغضب دفاعاً عن الحق في الحياة الآمنة المستقرة، وفي التنمية، واستعادة مكانته المفقودة بين أمم الدنيا، وفي نبذ الإرهاب ورفض العنف، وتأمين مستقبل أجياله اللاحقة، وفي غد أكثر ازدهاراً وإنجازاً وتطويراً وتطوراً.. أيقظ شعباً انتصر لإرادة الحياة في مواجهة ثقافة الموت. 
٣٠ يونيو، ليست كغيرها من الثورات، فقد توحد فيها الشعب بكل فئاته وقطاعاته وأطيافه ضد فصيل مارق، ثورة تجاوزت في هدفها حدود تغيير نظام أو تبديل أوضاع إلى إنقاذ وطن من براثن أبناء اختاروا الضلال طريقاً للتضليل، ثورة لوقف المد الإخواني إلى الدول الشقيقة، بعد أن تجرعت فئات في شعوب عربية السموم نفسها، وحاولت أن تسقيه لشعوبها، وتنقلب على أمنها وأمانها واستقرارها.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"