يعد الكلام أحد وسائل التواصل المهمة بالنسبة إلى الأشخاص، والتي تميزه عن غيره من سائر المخلوقات، وبالتأكيد فإن من يفقد هذه الملَكة بسبب عضوي أو نفسي، فإنه يفتقد وسيلة مهمة للتعبير.

ويعاني البعض من حالة تعرف بفقدان النطق النفسي، أو الحبسة النفسية، والتي يمكن فيها أن يفقد الشخص مقدرته على الكلام، سواء كان ذلك بشكل جزئي أو كلي، وفي الأغلب فإن الأمر يكون مرتبطاً بتعرضه لصدمة أو مشكلة نفسية أدت إلى هذه الحالة.

يصنف فقدان النطق النفسي على أنه أحد الاضطرابات التحولية، وبسببه فإن المصاب لا يستطيع التواصل مع المحيطين به.

ويجد المصاب بهذه المشكلة صعوبة في إنتاج الكلام، أو عدم القدرة على أن يعبّر عما بداخله، أو تفسير محادثات الآخرين، وفي الأغلب فإن المصاب بهذه الحالة لا يعاني أي سبب عضوي.

تحدث هذه الإصابة فجأة، وتتعدد الأسباب وراءها، غير أن أبرز المسببات هو تعرض المصاب لصدمة نفسية أو عصبية لم يستطع مواجهتها أو تذكرها.

ويتعافى المصاب بمجرد إزالة السبب وراء هذه الحالة، ويتمكن من أن يستعيد قدرته على الكلام بشكل تدريجي.

ضغط عصبي

ترجع في الأغلب الإصابة بفقدان النطق النفسي إلى تعرض المصاب لصدمة نفسية شديدة، أو ضغط عصبي شديد، كالحوادث المؤلمة، أو شيء صادم ومفجع، ولا يقدر على أن يتعامل معه.

يؤدي ذلك إلى أنه لا يستطيع تذكّر الموقف، أو يفقد القدرة على مواجهته، ومن ثم يتوقف عن الكلام، أو يصبح صعباً عليه التفكير في الكلمات المناسبة.

ويفقد البعض القدرة على أن يعي ما حوله بسبب حدة هذه المواقف، على الرغم من أنه مستيقظ، إلا انه ليس واعياً يما يدور حوله.

تشوش التفكير

يتسبب كذلك في بعض الأحيان شعور المصاب بأن هناك من يتحكم في حياته، أو شعوره بالحرج إلى الجمود، وبالتالي يصارع نفسه من أجل التحدث.

ويعاني البعض قلقاً شديداً بسبب بعض المواقف، ومن الممكن أن تتسبب بجفاف الفم، ومن ثم تتعثر الكلمات ويتشوش التفكير.

ويمكن أن تستمر الحبسة فترة طويلة في بعض الحالات، لو كان المصاب يعاني أحد الاضطرابات النفسية والعصبية، كالقلق والفصام، ونوبات الهلع، والرهاب الاجتماعي، والاكتئاب، والوسواس القهري.

ما بعد الصدمة

تشمل كذلك الحالات التي تتسبب بفقدان النطق النفسي اضطرابات ما بعد الصدمة، والتوتر الشديد والشعور بالخوف، وفي بعض الأحيان فإن التغيرات التي تحدث خلال فترة المراهقة من الممكن أن تؤدي إلى هذه الحالة.

ويمكن أن يتعرض بعض الأطفال للإصابة بهذه الحالة، على الرغم من وصولهم إلى مرحلة إدراك قوانين الكلام وأصوله، نتيجة طرق التربية الخاطئة كالضرب، وبسبب الخوف الشديد، والرهاب الاجتماعي، وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون رغبة من الطفل في تلبية أحد مطالبه من غير التعرض للانتقادن أو الانتقاص.

استعداد المراهقين

تعد الإناث أكثر تعرضاً للإصابة بالحبسة النفسية بالمقارنة بالذكور، وفقاً للإحصاءات، ومن الممكن أن تلعب الوراثة دوراً في زيادة فرصة الإصابة بها.

وتزيد فرصة الإصابة لدى الشخصيات التي لديها استعداد للإصابة بالاضطرابات النفسية، كما أن المراهقين يكونون عرضة للإصابة بها بسبب التغيرات الفسيولوجية التي تميز هذه المرحلة.

وتؤثر البيئة في بعض الأحيان، ومن ذلك لو تعرض المصاب للنقد الدائم، الأمر الذي يدفعه للعزلة والاضطرابات النفسية.

جزئي وكلي

تتعدد أنواع فقد النطق النفسي بحسب الأطباء، ففي النوع الأول يفقد المريض قدرته على النطق بصورة جزئية، ما يعني أنه يفهم ما يدور حوله غير أنه لا يمكن له التعبير، وفي بعض الحالات ينطق المصاب بضع كلمات بدلاً من نطق جملة بأكملها.

ويفقد المصاب في النوع الثاني القدرة على الكلام كلياً، حتى إنه لا يستطيع الإيماء بوجهه للتعبير عن رفضه، أو موافقته على أمر ما، ويبدو المصاب بهذا النوع أنه لا يمكنه أن يفهم ما يدور حوله.

وتظهر أعراض فقد النطق النفسي بصورة مفاجئة، ولا تكون تدريجية، وفي الأغلب فإن المصاب يفقد قدرته على التحدث بشكل تام، وفي حالات أخرى ربما تمكن من التحدث ببعض العبارات البسيطة، من الممكن ألا تكون مكتملة، أو أنه يتحدث بجملة طويلة، إلا أنها ليست لها معنى.

لا معنى لها

يستطيع بعض المصابين بهذه الحالة نطق كلمات لكنها ليست واضحة، حتى إن المحيطين لا يفهمونها، ويلاحظ أن المصاب لا يتمكن حتى من التعبير كتابة عما يريد أن يقول، لأنه يفقد القدرة على الكتابة والقراءة، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى أنه لا يستطيع أن ينطق أو يحرك شفتيه.

وتظهر على المصاب بفقدان النطق النفسي بعض أعراض الاضطرابات النفسية، كالوسواس والتوتر والاكتئاب والعزلة.

الحالة والتاريخ

يعتمد تشخيص فقدان النطق النفسي على تعرف الطبيب المعالج إلى حالة المريض الصحية والعصبية والنفسية، بهدف معرفة تاريخه المرضي.

ويطلب في الأغلب بعض الفحوص، كرسم مخ وأشعة رنين مغناطيسي، كما يخضع المصاب لفحص أحباله الصوتية مستخدما المنظار، مع إجراء فحوص تهدف لتقييم مهاراته اللغوية ومقدرته على النطق.

يتم تحويل المصاب إلى أخصائي أمراض نفسية بعد التأكد من عدم وجود خلل عضوي، وفقاً لمعايير الجمعية الأمريكية للطب النفسي لتشخيص الاضطرابات التحولية.

السبب أولاً

يعتمد علاج فقدان النطق النفسي على إزالة السبب وراءه، وبمجرد إزالته فإن المصاب يستعيد حالته الطبيعية، وإن كان بشكل تدريجي.

ويتعرف الطبيب النفسي في البداية على ظروف المصاب الأسرية والبيئة التي يحيا فيها، وذلك حتى يتعرف إلى الأحداث التي مرّ بها قبل إصابته بهذه الحالة، وبالتالي يتوصل للسبب وراءها.

ويلاحظ أن بعض الحالات ترفض أي محاولة للعلاج، كما أن هناك حالات تكون شديدة، وكل ذلك يقيّمه الطبيب حتى يحدد أسلوب العلاج المناسب.

يوعد من أبرز الأساليب التي يلجأ إليها الطبيب العلاج السلوكي المعرفي الذي يكون على شكل جلسات جماعية أو فردية.

جماعي وفردي

تتشكل الجلسات الجماعية من عدد من المصابين الذي يعانون هذه الحالة نفسها، وتوفر له هذه الجلسات البيئة الآمنة المساعدة على استيعاب ما يعانيه.

ويساعد الطبيب المعالج المصاب في جلسات العلاج الفردية على أن يدرك الأفكار السلبية الموجودة لديه، وكذا مخاوفه غير المنطقية، مع تقديم التشجيع الإيجابي له.

ويتم من خلال جلسات العلاج السلوكي المعرفي تعديل أنماط التفكير السلبية، مع تعليم المصاب طرق التعامل الصحية مع الحزن.

ويتعلم أيضا كيف يواجه تحديات الحياة، ويتجنب أثرها السلبي في تفكيره وسلوكه، ويشمل هذا الأمر أفراد العائلة من خلال النصائح التي توجه لهم عن كيفية التعامل مع المصاب.

التنويم المغناطيسي

يلجأ الطبيب للتنويم المغناطيسي حتى يكتشف أسباب الاضطراب الذي أدى لفقدان النطق النفسي، وفي الأغلب فإن هذا الإجراء يكون مع المصابين الرافضين لأي محاولة للمساعدة على تجاوز وضعهم الجديد، وأيضاً مع من لا يستجيبون لأساليب العلاج الأخرى.

ويوفر هذا الأسلوب حالة من الاسترخاء الشديد والهدوء للمصاب، بمساعدة الطبيب الذي يصف له صوراً تساعده على الشعور بالاسترخاء والأمان، ويكون العقل الباطن في هذه الأثناء على درجة من الاستجابة كبيرة لأي اقتراحات وإيحاءات إيجابية.

إجراءات مساعدة

يشير الباحثون إلى إمكانية يمكن أن يصف الطبيب المختص بعض الأدوية بهدف الحد من أعراض الاضطرابات النفسية الشديدة التي تسبب فقدان النطق النفسي.

ويؤدي تناول بعض مضادات الاكتئاب إلى حدوث تحسن من حالة المريض المزاجية، وأيضاً مضادات القلق التي تقلل من حدة التوتر، وتمنحه إحساساً بالهدوء والراحة النفسية والسكينة.

ويوصي الأطباء المصابين بفقدان النطق النفسي باللجوء إلى تمارين الاسترخاء، بهدف أن يتحكموا في أعراض التوتر ويحدوا منها، وتشمل هذه التمارين تمارين التنفس العميق، واليوجا.

ويساعد الطبيب كذلك المصاب بهذه الحالة على أن يعيد إنتاج الجمل المفيدة، من خلال التركيز على الذاكرة السمعية والاستيعاب اللغوي.

ويركز على بعض التمارين بهدف استعادة مهارات اللغة، ومن أمثلتها تمارين الصوت، وتمارين للعضلات المسؤولة عن النطق.