خصوصية قرار السياسة الخارجية الأمريكية

00:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

يختلف مفهوم السياسة الخارجية من دولة لأخرى، فهو في الديمقراطيات الغربية في أوروبا، يختلف من حيث طبيعة النظام السياسي، سواء كان رئاسياً أو برلمانياً. وفى بعض دول أوروبا خاصة بريطانيا، هناك دور مؤثر وقوي من خارج دائرة الحكم. حيث يوجد رأي عام امتلك معرفة بالسياسة الخارجية، بحكم انتمائه إلى أحزاب شكلت له طوال سنوات عضويته بها مواقف وآراء محددة. وقد يختلف الوضع من دولة أوربية لأخرى، بحكم انتشار نشطاء فاعلين لهم تأثير في صنع السياسة الخارجية.
  في هذا الإطار وبالنسبة لصناعة السياسة الخارجية في دول العالم بشكل عام، تمتلك دول إرادتها الوطنية كاملة في صنع سياسة خارجية معبرة عنها. في حين تكون هناك دول منصاعة لقوى كبرى، نتيجة احتياجها لها في تأمين بقائها، أو لحماية أمنها القومي.
 هنا - الوضع في أمريكا مختلف سواء من حيث طبيعة القوى المسموح لها بأن تكون شريكاً في صناعة السياسة الخارجية، أو من حيث ثبات مفاهيم تتعلق باستمرارية نمط محدد للسياسة الخارجية، فهناك قاعدة لم تتغير كثيراً في الولايات المتحدة، على طول عهود الرؤساء وهي: إن الاستمرارية في السياسة الخارجية، أكبر وأقوى من التغيير. وإذا حدث أن أدخلت تغييرات تتطلبها ظروف تؤدى إليها، فإن المتغيرات لا تتطرق إلى ثوابت رئيسية في السياسة الخارجية، تكون نابعة أصلاً من فلسفة النظام الأمريكي، مثل فكر الهيمنة الأمريكية على العالم. وهي المستندة إلى تراث فكري وفلسفي يرجع إلى بدايات قيام الدولة على يد الآباء المؤسسين، والذين ينظر إلى تراثهم بنوع من التقديس.
  إن ما يحدث عملياً أنه إذا كان الرئيس هو المسؤول عن قرار السياسة الخارجية منذ بدء ولايته، فإن الدستور ينص على أن الكونجرس، شريك له في صنعها ، وبالطبع فإن هذه القاعدة قد يصيبها ضعف فى بعض العهود، إذا كان الرئيس قد ضعف أداؤه نتيجة أزمة طاحنة تعرض لها في معالجته لقضية داخلية مهمة، أو أزمة خارجية تمثل تحدياً للأمن القومي الأمريكي، عندئذ يجد الكونجرس أن هذا الوضع يشجعه على توسيع صلاحياته، ليزيد من مساحة سلطته في السياسة الخارجية على حساب الرئيس، والعكس صحيح.
   ويسمح النظام السياسي في الولايات المتحدة لمجموعة قوى أخرى، بأن تلعب أدواراً مؤثرة في قرار السياسة الخارجية، منها جماعات المصالح، وهي تنظيمات غير حكومية سواء في صورة نقابات، أو اتحادات، أو جماعات تمثل أصحاب مهن معينة كالمحامين، أو نشاطات أخرى مثل حملة أفكار متشددة، كجماعة الدفاع عن حق المواطن في حمل السلاح.
  وكل هذه الجماعات تمارس من خلال عملها المنظم ضغوطاً على أعضاء الكونجرس، لكي لا يتخذ قرارات مخالفة لمبادئ هذه الجماعات، وهناك بالطبع قوى الضغط، والتي تعبر عن مصالح قوى داخلية في أمريكا، أو دول أجنبية يسمح لها النظام السياسي في الولايات المتحدة بممارسة ضغوط لحسابها، يضاف إلى ذلك أدوار مراكز الفكر السياسي، ووسائل الأعلام، والرأي العام، معنى ذلك أن السياسة الخارجية، مهما كانت توجهات الرئيس في تحديدها، إلا أنه يظل دائماً متأثراً بهذه الضغوط.
  ومع مجيء جو بايدن رئيساً، بدا أن الوضع قد يختلف إلى حد ما، حيث صارت هناك دوافع لمراجعة توجهات السياسة الخارجية، لارتباط ذلك بضرورات حماية الأمن القومى للدولة، وهو ما يعد الركيزة الأولى للسياسة الخارجية.
يتصل بذلك ظهور إدراك لدى قطاع مهم من معاوني بايدن، بأن العالم قد تغير خلال السنوات القليلة الماضية، سواء في بعض مناطق العالم كالشرق الأوسط، أو في مكانة ودور وتأثير دول بعينها اكتسبت نفوذاً وقوة أداء، لم تكن لها في السنوات السابقة، وهو ما يفرض على أمريكا إعادة النظر في سياساتها التي كانت عليها فيما مضى. حتى ولو كان في ذلك خروج على المبدأ القائل بأن الاستمرارية أقوى وأكبر من التغيير.
  لذلك يبدو أن مفردات صناعة السياسة الخارجية، هي الآن محل مراجعة، أكثر شمولاً مما سبق أن مرت به من قبل.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"