مارلين سلوم

قد يكون النجم الإيرلندي ليام نيسون من أكثر الممثلين الكبار سناً (68 عاماً) ظهوراً كل عام وتقديماً لأكثر من فيلم في العام الواحد، وهو مازال يحرص على «الأكشن» والمغامرات.. نيسون الذي شاهدناه في 2021 بفيلم «الهداف» أو «ذا ماركسمان»، يواصل حضوره في الصالات بفيلم «ذا آيس رود» أي «طريق الجليد»، الذي يمشي على الحدود بين النجاح والفشل، وتشعر أن صوره ولقطات الشريط الترويجي له أكثر تشويقاً من العمل نفسه.

جوناثان هينسلي (من أشهر أعماله «جومانجي» و«أرماجيدون») من المخرجين المعروفين ببراعته في «الأكشن» والمغامرات ككاتب وكمخرج، لكن في «طريق الجليد» يتفوق المخرج على الكاتب بل يمكن القول بأنه أنقذ الفيلم من السقوط ومن فخ الملل وتكرار بعض المواقف بلا داع، بفضل المؤثرات البصرية والكوادر التصويرية على الجليد وفي ظروف مناخية صعبة حيث درجة الحرارة 20 تحت الصفر في كندا، والاعتماد على عنصر المفاجأة للمزيد من التشويق وسرعة الحركة وتنقل الكاميرا.

هينسلي نجح كمخرج في شد انتباه الجمهور منذ اللقطات الأولى، سريعاً يدخلنا في أجواء التوتر دون أن نفهم كثيراً ما الذي يحصل، ينتقل من شخصية إلى أخرى من حوار إلى آخر قبل أن يتمكن المشاهد من التعرف على الشخصيات أو حتى التقاط أطراف الحديث لفهم ما الذي يحصل وما علاقة كل هؤلاء ببعضهم. وسريعاً أيضاً، يدخل في أجواء التشنج والخوف والهلع، فبالكاد نتعرف على البطل مايك ماكان (ليام نيسون) وشقيقه جيرتي (ماركوس توماس) الذي يعمل ميكانيكي، يتعرض هذا الأخير للتنمر من زملائه، فيدافع عنه شقيقه بضرب أحدهم ما يؤدي إلى طرد الشقيقين من المصنع. جيرتي محارب سابق في الجيش الأمريكي، شارك في حرب العراق ما تسبب له بأزمة نفسية وما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة، لذا يعجز عن الكلام بشكل طبيعي وسلس.

خطأ كارثي

ينتقل المخرج في مقدمة فيلمه ما بين الشقيقين مايك وجيرتي، وعمال أحد مناجم الألماس في أقصى شمال كندا، حيث يتسبب خطأ «صغير» بكارثة كبيرة، يتسرب غاز الميثان ويؤدي إلى انفجار ضخم، وطبيعي أن يتبع الانفجار انهيار المنجم ووفاة عدد من العمال بينما بقي العدد الآخر محتجزاً، وعلى المسؤولين إيجاد أسرع وأضمن طريقة لإنقاذهم في ظل ظروف مناخية صعبة، ومنطقة جليدية خطيرة.

تشنج وقلق، ووتيرة التشويق ترتفع، وكأن كل لحظة أو موقف سيكون هو الذروة، هكذا يشعر الجمهور، حيث كانت هذه المقدمة كافية لتشده وتجبره على متابعة الفيلم بلهفة، لكن إيقاع «التأليف» لم يتناغم مع إيقاع «الإخراج» رغم أن المتحكم بهما واحد. ولو أن جوناثان هينسلي قلل من الحوار والسيناريو ومنح الصورة مساحة أكبر، لتخطى الفيلم عتبة الوسطية في مستوى التقييم. العمال محاصرون، ولا منفذ سوى من خلال عملية إنقاذ يكلف بها فريق من سائقي الشاحنات على رأسهم مايك.

ليام نيسون متجهم كعادته في غالبية أفلامه الأخيرة، يمنح الدور حقه لكنه لا يتجدد ولا يجدد في الأداء، وكأنه حصر نفسه في أدوار المغامرات وفي ملامح ثابتة، عنوانها القلق والتجهم والغضب، رغم تقديمه فيلمين في خلال أشهر قليلة، وفي ظل الظروف الإنتاجية التي تشهدها السينما عالمياً، مع استمرار تأثير«كوفيد 19» على العروض والإيرادات. دائماً يتحمل مسؤولية الفيلم كليام نيسون، ومسؤولية إنقاذ الآخرين كبطل أياً كان اسمه أو دوره. بجانبه وماركوس توماس، هناك مجموعة من الممثلين مثل لورنس فيشبورن بشخصية جولدنرود، بنجامين ووكر «فارني»، أمبر ميدثندر «تانتو» المتهورة والسائقة الجريئة والتي تكتشف أن شقيقها من بين العمال في المنجم، هولت مكالاني «لامبارد»، مارتن سينسماير، مات ماكوي، مات سالينجر وغيرهم.

الخطر الأكبر

المهمة المستحيلة لا تكمن في الصراع مع الوقت ووجوب الوصول إلى مكان المنجم بأسرع وقت ممكن مع تزايد أعداد الوفيات والمفقودين، بل الخطر الأكبر في المجازفة بعبور الشاحنات فوق محيط متجمد معرض للانهيار في أي لحظة، خصوصاً وأن الشاحنات التي يقودها مايك وفريق الإنقاذ ضخمة وثقيلة بما تحمله من معدات للحفر. يزيد المخرج من إيقاع التوتر من خلال استنفار كل الجهات الأمنية والأجهزة والطوارئ..

هل تتسبب كارثة المنجم بكارثة أخرى أثناء توجه فريق الإنقاذ إلى موقع المنجم؟ ميزة الفيلم أنه يشغل الجمهور بالبحث عن أصل القصة وما إذا كانت مأخوذة عن واقعة حقيقية أم لا، لكنه في المقابل يسحب منه متعة التشويق الموصول، فكلما اقترب من الذروة، بهت الموقف أو جاء ما يشد الوتيرة نزولاً. تمنينا أن ينجح المخرج في حبس أنفاسنا خصوصاً أنه وضع معضلة تحتاج إلى دقة متناهية وشد أعصاب لحلها والخروج منها بسلام، وهي أزمة عبور الشاحنات فوق المحيط، إذ لا يمكن للسائقين السير ببطء شديد ولا بسرعة كبيرة بسبب المعدات الثقيلة، ما توجب عليهم البحث عن موجات الضغط أمامهم وتجنب الشقوق التي تتشكل خلفهم وهم يعبرون في قافلة.

لا يخلو الفيلم طبعاً من نظرية المؤامرة، واللعب على استدرار عواطف المشاهدين خصوصاً مع وجود أشخاص ما بين الحياة والموت تحت الأنقاض، ووجود رابط الأخوّة بين مايك وجورتي الذي يرافقه في هذه المهمة الصعبة، وفي الوقت نفسه تانتو الناشطة والذكية في فريق الإنقاذ وشقيقها المعرض للموت بين العمال في المنجم. قد يكون أحد أهداف هينسلي من خلال كتابة هذا العمل، تسليط الأضواء على المخاطر التي يواجهها عمال المناجم والذين يدفعون حيواتهم أحياناً في سبيل لقمة العيش بينما المستفيد هو صاحب الأموال أو السياسي، وقد يكون هدفه أيضاً تسليط الأضواء على سائقي الشاحنات الذين يجازفون ويخاطرون بتنقلهم في مثل هذه الأماكن سواء عبر طرقات وعرة أو في مناطق جليدية وفي أحوال مناخية صعبة وعواصف ثلجية وأحياناً انهيارات جبال من الجليد.. لكنه لم يستطع تقريب المسافة بين المشاهد والأبطال ليتفاعل معهم «عاطفياً» ويتعلق بهم ويتأثر إلى الدرجة التي تجعله يرغب في مشاهدة الفيلم مرة ثانية أو التحدث عنه مراراً.

[email protected]