حوار: سلام أبوشهاب
الإمارات وطن النجاح.. جملة بسيطة، تتكون من مبتدأ وخبر، الأول يستقر في الروح والثاني يخاطب العقل، فقصص النجاح التي ولدت على أرض الإمارات الطيبة، أكثر من أن تحصى، ففي بلاد «زايد الخير» نسج الكثير من المقيمين خيوط حياتهم، قدموا إليها إما مستثمرين صغاراً، أو موظفين بعقود محددة، فأحسنوا إدارة أموالهم وأفكارهم، فحلقوا بمشاريعهم ونجاحاتهم في سماء العالمية.
في هذا «الملف» الذي يُنشر على حلقات تفتح «الخليج» قلبها وتصغي بشغف إلى حكايات وافدين، اختاروا الإمارات وجهة لكي يحققوا ذواتهم، ويحلقوا بأحلامهم، فوجدوا وطناً دافئاً ديدنه التسامح والتعايش، يستقبلهم بابتسامة مرحبة، ويهديهم الأمل ويمنحهم السعادة، وأحاطهم بالأمن والعدل وسيادة القانون، ووفر لهم البيئة الخصبة والفرص والمزايا للجميع دون استثناء، فأسسوا مشاريعهم وتمددت نشاطاتهم في مختلف أرجاء العالم، ولكن الأهم أنهم عثروا على كنزهم الخاص: الإمارات.
في كل حلقة سنسرد قصة نجاح، ونرحل مع صاحبها منذ أن وجّه بوصلته إلى بلادنا الغالية، حيث جميعهم بلا استثناء يردّون الفضل فيما وصلوا إليه، إلى هذا الوطن المعطاء، وقيادته التي فتحت أذرعها، واحتضنتهم، ملف يروي قصص ناجحين، لكننا في الحقيقة نروي حكاية وطن لا يعرف إلاّ النجاح.
كانت رغبته دراسة الطب لعلاج المرضى ومساعدة المحتاجين، وعندما زار الإمارات للمرة الأولى في منتصف السبعينات، بدعوى من مريض إماراتي عالجه في عيادته في دمشق، وشاهد مسيرة البناء والتأسيس، قرر الانتقال للعمل والاستقرار في الإمارات، وكان حلمه إنشاء عيادة ثم مستشفى، وخلال 44 عاماً من بداية عمله في الإمارات، حقق حلمه بتحويل عيادته المتواضعة في أبوظبي، التي كانت غرفة وصالة تستقبل 3 إلى 5 مرضى في اليوم، وعائدها الشهري نحو 3 آلاف درهم، إلى مجموعة طبية عالمية تتكون من 18 مركزاً و4 مستشفيات وعيادات تستقبل 6 الآف مريض يومياً.
إنه رجل الأعمال الدكتور قاسم العوم، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والأمراض الباطنية الذي درس الطب في إسبانيا، وأسس مجموعة «مستشفيات النور» في الدولة، التي تحولت إلى «ميدكلينك» العالمية بعدما قرر بيع المجموعة والتقاعد في الإمارات عندما أكمل 70 عاماً، ونقل استثماراته إلى أبنائه.
وكان ل «الخليج»، هذا اللقاء مع الدكتور العوم، الذي تحدث فيه عن مسيرته وسر النجاح ورسالته للأجيال المقبلة:
يتحدث الدكتور قاسم عن الصورة الأولى التي تكونت لديه عن الإمارات ودراسة الطب فيقول، خلال دراستي الطب في إسبانيا التي استمرت 10 سنوات وحصلت خلالها على شهادة التخصص في الأمراض الباطنة والجهاز الهضمي عام 1976، كنت أسمع وأقرأ ما يكتب عن اتحاد الإمارات، وعن جهود المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ورؤيته وتطلعاته إلى بناء دولة متميزة، فأيقنت أن مستقبلاً حافلاً ينتظر الإمارات، وأنها على موعد لبناء دولة حديثة متطورة ستسبق الكثير من دول العالم، لأسباب عدّة أهمها وجود قيادة قررت تسخير الإمكانيات المتوافرة لخدمة أبناء شعبها وتلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم.
مريض إماراتي
ويضيف بعد تخرجي وعودتي إلى وطني سوريا، عام 1976، افتتحت في دمشق مجمع عيادات، وكنت أستقبل مرضى من دول الخليج ومن دولة الإمارات. وفي عام 1977 حضر لعيادتي في دمشق مريض إماراتي للعلاج، ووجّه لي دعوة لزيارة الإمارات، وقد سعدت بهذه الزيارة، وبالفعل أرسل لي تأشيرة زيارة في ذلك العام، وزرت الإمارات. وكانت في يوليو، وكانت درجة الحرارة مرتفعة جداً ونسبة الرطوبة عالية، فمكثت 3 أيام فقط، وعدت إلى عيادتي في دمشق، لكنني خلال الزيارة القصيرة لمست أن الإمارات في ورشة كبيرة والجميع يعملون في مرحلة التأسيس، وكانت عيني على الخدمات الصحية في القطاع الخاص التي كانت متواضعة جداً.
ويكمل أنه في ديسمبر، من العام نفسه، تلقيت تأشيرة زيارة ثانية من المريض نفسه، قائلاً لي إن الطقس خلال أشهر الشتاء بديع في الإمارات، وبالفعل حضرت إلى الإمارات في ذلك الشهر وترسخت رؤيتي خلال تلك الزيارة بأن مستقبلاً كبيراً ينتظر هذه الدولة لما شهدته من مشروعات وجهود في مختلف القطاع، وقررت البقاء في الإمارات، وكان حلمي افتتاح عيادة ثم مستشفى.
البدايات
وعن بدايات عمله في الإمارات، يقول كان قراري اختيار أبوظبي، لتكون مركز عملي، وتقدمت لوزارة الصحة بطلب الحصول على ترخيص لافتتاح عيادة، وخلال وقت قليل حصلت على الترخيص؛ وكان رقمه 90، أي أنه كان في الإمارات في ذلك الوقت 90 طبيباً فقط في القطاع الطبي الخاص. وكان فيها المستشفى المركزي فقط، الذي كان متواضعاً ويتكون من بضعة أكشاك خشبية وكرفانات. وبدأت عملي في العيادة وعيّنت ممرضاً.
ومع الوقت بدأت عيادتي تشتهر لتخصصي في الأمراض الهضمية والمناظير. وفي عام 1982 أدخلت مناظير الجهاز الهضمي لعيادتي التي كانت أول عيادة تدخل مناظير الجهاز الهضمي، وقد زاد عدد المرضى والمراجعين لعيادتي في ذلك الوقت، ما دفعني إلى افتتاح مركز طبي عام 1986 أطلقت عليه مركز «النور»، وشهد إقبالاً كبيراً. وبعد سنة واحدة فقط من افتتاح المركز، أسست «مستشفى النور» في بناية بشارع حمدان باستئجار عدد من الطوابق. وكان يضم غرفتي عمليات و24 سريراً وتخصصات محدودة. كما توسعنا باستقطاب أعداد كبيرة من الكوادر التخصصية، واستحداث تخصصات طبية أخرى، منها عمليات أطفال الأنابيب التي استحدثت عام 1993.
نقلة نوعية
وعن خطط التوسع يوضح، كانت النقلة النوعية عام 2000، بالانتقال إلى مبنى «مستشفى النور» بشارع خليفة، واستحدثنا تخصصات تعدّ الأولى في القطاع الخاص منها جراحات القلب المفتوح والقسطرة القلبية، والطب الرياضي وغيرها من التخصصات، إلى جانب استضافة أطباء زائرين من مختلف دول العالم، للمشاركة في علاج الحالات الصعبة توفيراً عليها مشقة السفر للعلاج في الخارج. وكان مستشفى النور فرع شارع خليفة، يستقبل 2500 مريض ومراجع يومياً، واستمرت عملية التوسع بافتتاح مستشفى النور في مدينة العين الذي كان يستقبل 1500 مريض ومراجع يومياً. وافتتحنا مستشفى النور في شارع المطار الذي كان يستقبل 1800 مريض ومراجع يومياً.
ويؤكد أنه مع تطبيق التامين الصحي عام 2007، في إمارة أبوظبي شهد القطاع الطبي الخاص نقلة نوعية لافتة، وزاد الإقبال على مستشفيات ومراكز «النور» الطبية، ما دفعنا إلى المضي قدما في التوسع، وتوقيع عقود إدارة وتشغيل الخدمات الصحية في «أدنوك»، وتحديداً في الرويس. كما أنشأنا مجمعاً طبياً في الظفرة ومركزاً في غياثي، وإدارة مراكز صحية لأدنوك في بعض الجزر منها داس وزركو، إلى أن أصبحت «مجموعة النور»، تقدم خدماتها الصحية لأكثر من 6 آلاف مريض ومراجع يومياً، ما نسبته 38% من إجمالي المرضى والمراجعين للمنشآت الصحية الحكومية والخاصة في إمارة أبوظبي، وارتفع عدد العاملين في المجموعة إلى 5 آلاف موظف و640 طبيباً وطبيبة.
العالمية
وعن الانتقال للعالمية، يقول إن النجاحات التي تحققت، دفعتنا إلى الانتقال إلى العالمية، بتحويل المجموعة إلى مؤسسة مساهمة، وطرح أسهمها في بورصة لندن. وشهد إقبالاً لافتاً وارتفاعاً في السعر. ومع بلوغي اليوم 70 عاماً، قررت التقاعد في الإمارات، حيث كنت أعمل نحو 15 ساعة يومياً في متابعة العمل اليومي في منشآت المجموعة، لذلك كان التفكير في التقاعد واللجوء إلى بيع المجموعة، ووقع الاختيار على أفضل وأكبر المجموعات المتخصصة خارج أمريكا، في إدارة المنشآت الصحية، لضمان استمرارية المجموعة في تقديم خدماتها.
الإمارات
وعن تشجيع الإمارات للمستثمرين، يؤكد أن هذا النجاح اللافت الذي حققه في القطاع الصحي طوال 44 عاماً بإنشاء صرح يضم 18 مركزاً و4 مستشفيات إلى جانب صيدليات وشركات معدات طبية، ما كان يتحقق لولا فضل رب العالمين والدعم غير المحدود من القيادة الرشيدة للقطاع الخاص الذي كانت تعدّه منذ بداية تأسيس الدولة شريكاً أساسياً واستراتيجياً في البناء والتطوير، لذلك شجّعته وسهّلت تنفيذ برامجه وخططه، بإنشاء بنى تحتية قوية مكّنته من الانطلاقة الفعلية وتحقيق نجاحات لافتة عادت بالخير والفائدة على أفراد المجتمع، وحرصت على تذليل الصعاب أمام المستثمرين وتشجعهم للانطلاق نحو آفاق رحبة، والأهم توفير الأمن والاستقرار الذي يتطلع إليه أي مستثمر في الدرجة الأولى. لذلك تعدّ الإمارات أرض الأحلام والفرص الذي يستطيع فيها كل مستثمر مجتهد ومثابر وصادق ومخلص، أن يحقق نجاحات تنقله إلى العالمية، والإمارات اليوم من أفضل دول العالم للعيش مع الأسرة والاستقرار والعمل، وهي حلم الجميع.
سر النجاح
وعن سر النجاح الذي حققه، يقول: إن حبي لمهنتي كان الدافع الأول، والتشجيع غير المحدود من القيادة الرشيدة والحكومة للقطاع الخاص، بتسهيل الإجراءات وسرعة الإنجاز والتعامل مع الطلبات، والعمل الجاد والإخلاص في أداء المهنة، والحرص على التميز والابتكار، إلى جانب الحرص على مساعدة الآخرين؛ فكثير من الحالات غير المقتدرة كنت أعالجها مجاناً.
ويضيف أولادنا عاشوا في البداية في الإمارات وتلقوا أفضل تعليم في مدارسها، والتحقوا بأعرق الجامعات العالمية، لأنهم أسسوا بشكل صحيح. وبعد تخرجهم عُرضت عليهم فرص كثيرة للعمل في دول أخرى، إلا أنهم فضلوا العودة والعمل في الإمارات بلد الخير والأمان والاستقرار. ومن هنا قررت الاستثمار في قطاع العقار ومجالات أخرى، وتولى أبنائي إدارة هذا الاستثمار.
تقدير وتكريم
وتطرق إلى الإنجازات التي حققها قائلاً: خلال مسيرتي المهنية، حصلت المجموعة على جوائز مميزة منها، جائزة خليفة للتميز، وفزنا بها 4 مرات. وفزت عام 2014 في انتخابات مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي. وكنت رئيس لجنة الخدمات الصحية في الغرفة، ثم عضو المجلس الصحي برئاسة وزير الصحة، وعدد من اللجان التي كانت تعنى بتطوير الخدمات الصحية، إلى جانب عضوية في مجالس إدارات عدد من المراكز والمؤسسات الإنسانية والخيرية، ومنها صندوق الزكاة، والجامعات ومنها كلية الطب في جامعة الإمارات، حيث كنت في المجلس الاستشاري.
رسالة
وعن الرسالة التي يوجهها للأجيال المقبلة يقول: على هذه الأجيال الالتزام بالصدق والاجتهاد في العمل، وحب الناس ومساعدتهم، والاستمرار في التعليم واكتساب الخبرات والتدريب المستمر، والدخل بقوة في القطاع الخاص الذي يعدّ أرضاً خصبة لتحقيق منجزات ملموسة.. والشيء المهم رد الجميل والعرفان للوطن الإمارات الذي وفر للجميع مواطنين ومقيمين أرضية للانطلاق لتحقيق الأماني، وتحويل الأحلام إلى واقع ملموس، ينعم بالأمن والاستقرار وجودة عالية في الحياة.
لماذا القطاع الخاص؟
عن سبب اختياره القطاع الخاص، يقول: منذ البداية أؤمن بأن فرص القطاع الخاص أفضل بكثير لمن يتطلع إلى الاستثمار وعمل بصمة مميزة في حياته وتحقيق عائد جيد، فعندما قدمت إلى الإمارات فضلت البداية بعيادة خاصة متواضعة، وأذكر كان عائدها الشهري لا يزيد على 3 آلاف درهم في بعض الشهور، بينما كان زميل لي درس معي الطب في إسبانيا، وعندما حضر إلى أبوظبي عيّن في وزارة الصحة، وكان يتقاضى راتباً جيداً وسكن في فيلا، وبعض المقربين نصحوني بترك القطاع الخاص والالتحاق بوظيفة حكومية في أحد المستشفيات، إلا أنني فضلت الاستمرار في القطاع الخاص، وبعد سنوات من النجاح في القطاع الخاص فوجئت بزميلي يزورني في المكتب ويطلب الالتحاق بوظيفة في المجموعة التي أسستها، لتقاعده ووصوله سن الستين، والتحق بالفعل بالعمل في أحد مستشفيات المجموعة، هذه القصة تؤكد أن القطاع الخاص تتوافر فيه فرص لمن يرغب في اغتنامها وتحقيق استثمارات لا مثيل لها بالعمل المخلص والاجتهاد والإبداع في العمل.