الأصل في الانتخابات

00:16 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجي صادق شراب

أجريت الانتخابات مرتين فلسطينياً، ووفق مرجعية أوسلو وليس لتحقيق أهداف الانتخابات كما في أي نظام ديمقراطي. الأولى جاءت بفتح كقوة مسيطرة على  السلطة من رئاسة وحكومة وسلطة تشريعية ومنظمة تحرير وحتى قضائية، ووظيفتها الالتزام بتنفيذ اتفاق أوسلو في كل جوانبه، والثانية كانت بمشاركة حماس بهدف تقاسم السلطة بين قوتين نقيضتين فكراً ورؤية رغم أن الحاضنة هي فلسطين. لكن ما تحقق هو الانقسام الذي استمر حتى الآن وتحوله إلى بنية متجذرة في غزه يصعب تجاوزها. وعلى مدار هذه الأعوام تعمق الانقسام وجمدت الانتخابات وفشلت كل اتفاقات ومبادرات التصالح .
  وكان يفترض أن تتم الانتخابات الثالثة  بصدور المراسيم الرئاسية  بعد جولات من اللقاءات بين فتح وحماس في القاهرة على أن تكون الخطوة  الأخيرة لإنهاء الانقسام من خلال مؤسسات شرعيه وحكومة منتخبة تحترم ويلتزم الجميع بقرارتها، وإعادة البنية الموحدة للسلطة بما يعنى رد الاعتبار للقضية الفلسطينية وتفعيل دور المتغير الفلسطيني الذي قد ينجح في استعادة دور وهيبة ومكانة القضية الفلسطينية، وهو ما قد يدفع العرب والعالم للقيام بدور إيجابي وفاعل في الضغط على إسرائيل. 
  من هذا المنظور لم يكن متوقعاً أن تسمح إسرائيل بتوفير مقومات وبيئة النجاح لهذه الانتخابات مستفيدة من ملف القدس لإفشال الانتخابات. لكن القراءة السريعة للتأجيل أبعد من ملف القدس، لأنه كان من السهل الوصول لحلول تمكن من مشاركة ستة آلاف مقدسي في التصويت . المسألة أبعد وأعمق من ذلك، وليس كما يعلن أن الخوف من فوز حماس هو السبب، فحماس تدرك ماذا يعني أن تفوز إذا لم تلتزم بالمرجعية السياسية الفلسطينية. وأما سبب أن الانقسامات داخل حركة فتح هو السبب فهذا أيضاً مردود عليه لأن كل قوائم فتح أكدت  تمسكها بفتح وأنها جزء منها ولن تتخلى عن الحركة، وكان يمكن أن تكون ورقة قويه للفوز وتحقيق أغلبية في المجلس التشريعي، وكان يمكن أيضاً تصور أن تتم مصالحة فتحاوية بعد الانتخابات. 
   إذاً، السبب الرئيسي هو عدم عودة المتغير الفلسطيني للعب دور رئيسي في الصراع ومن ثم تغيير معادلات القوة والتسوية وفرضها على إسرائيل. ومن المظاهر الإيجابية لهذه الانتخابات نسبة التسجيل المرتفعة للناخبين التي بلغت أكثر من تسعين في المئة كمؤشر على الرغبة في المشاركة والتغيير السياسي وهو أمر غير مطلوب ، لأن هناك من يدعم سيناريو الأمر الواقع وصولاً لحل نهائي ينهي القضية الفلسطينية. فليس من مصلحة إسرائيل أن ترى بجانبها سلطة ديمقراطية منتخبة لها حق التعبير عن القرار السياسي الفلسطيني، فهي تريد سلطة وظيفية سواء في الضفة الغربية أو غزة. سلطة تتحمل أعباء السكان، وتقوم بالوظيفة الأمنية مقابل بقاء كل منهما. فالأصل في الانتخابات أنها تعمق مبادئ تداول السلطة بطريقة سلمية وتتيح فرص المشاركة السياسة الواسعة وتسمح بتداول الأجيال في الحكم، وتجدد شرعية المؤسسات القائمة وتمنحها حق القرار السياسي الملزم. ولا شك أن عملية الانتقال السلمي للسلطة وتداولها هو التحدي الأكبر الذي يواجه أية انتخابات تفتقر للثقافة الانتخابية والديمقراطية على مستوى النخب التقليدية، وتوفرها على المستوى الشعبي، وهذه يبدو كانت إحدى معضلات الانتخابات الفلسطينية. هذا قد يفسر لنا تجميد الانتخابات لمدة خمسة عشر عاماً تم من خلالها تجميد وتكليس المؤسسات والسياسة الفلسطينية لنصبح أمام نموذجين متناقضين جيل النخب التقليدية والجيل الشاب الجديد الذي يتطلع للتغيير عبر الانتخابات. الانتخابات تعني تفويضاً شعبياً للسلطة التشريعية لفترة محددة بالانتخابات، وتعني تعميق وسائل الرقابة والمحاسبة الشعبية، أي تعني تغييراً سياسياً يواكب التغيير في بيئة النظام السياسي. وهذه الأمور كانت مطلوبة من الانتخابات الفلسطينية الثالثة. ويبقى أن الانتخابات وديمقراطية السلطة الفلسطينية هي من أهم المقاربات للوصول إلى الحق الفلسطيني.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"