زلزال هايتي السياسي

00:24 صباحا
قراءة دقيقتين

تُعرف هايتي، البلد الواقع في البحر الكاريبي بين الأمريكيتين، بأنها واحدة من أفقر دول المعمورة، وأكثرها تعرضاً للكوارث الطبيعية مثل الزلزال الرهيب الذي ضربها عام 2009 والإعصار المدمر «ماثيو» عام 2016، وهي أيضاً بلد انعدام الاستقرار السياسي الذي كثيراً ما يسفر عن نتائج شديدة السوء، وجاءت هذه المرة باغتيال رئيس البلاد جوفينيل مويز برصاص مسلحين اقتحموا منزله ليلاً. ومثلما جاء هذا الاغتيال نتيجة لأزمة، سيكون سبباً لأخرى في ظل أوضاع غير مستقرة مع زيادة مهولة في نسب الفقر والجريمة وانسداد الأفق. 
وضع ما حدث في سياقه، يشير إلى أنه كان فرضية متوقعة بقوة بعد خلاف عميق بين الرئيس الراحل ومعارضيه حول استفتاء دستوري كان مقرراً الشهر الماضي، وتم تأجيله إلى أجل غير مسمى، وهو ما زاد من طعون الفرقاء السياسيين ومنظمات المجتمع المدني في شرعية الرئيس التي انتهت في فبراير/شباط الماضي، بينما يقول أنصاره إنها ستستمر إلى فبراير/شباط المقبل. وبقطع النظر عمن نفذ عملية القتل المأساوية، ستظل هذه الأساليب في تصفية الحسابات مدانة ومنبوذة، لأنها تفتح المجال للمزيد من التوتر والعنف، فاغتيال رئيس في أي بلد يعتبر من أفدح الجرائم السياسية ومن أقذر العمليات بسبب ما تسفر عنه من فوضى وثأر قد تستمر عشرات السنين. وفي التاريخ هناك أكثر من شاهد يفيد بأن مثل هذه الأفعال في بلد غير مستقر لن تأتي له بالفرج؛ بل ستفاقم محنه وتجعله موضعاً للأطماع، باعتبار أن سيادته منتهكة وشعبه مشرد. 
هايتي، المستعمرة الفرنسية السابقة ذات الأصول الإفريقية، ضربها زلزال سياسي قوي بمقتل مويز. وعلى الرغم من إعلان رئيس الوزراء، أن الأوضاع تحت السيطرة، فإن مظاهر القلق والخشية من انعكاسات سلبية بادية للعيان من حالة الصدمة الداخلية والانزعاج الدولي الشديد. ففي مثل هذه الظروف يمكن أن تنفلت الأوضاع المتدهورة أصلاً بفعل الفقر المزمن ونقص الغذاء وانتشار الجريمة المنظمة وتناحر العصابات، ما أضر بالأمن العام وهجر آلاف السكان من العاصمة بورت-أو-برنس ومدن أخرى. أما الأوضاع الصحية فقد وصلت إلى الحضيض بسبب وباء «كورونا» الذي فتك بالسكان وأنهك المرافق الصحية المتهالكة منذ زمن بعيد.
ربما لا يتضح المشهد على الفور، لكن المؤشرات لا تنبئ بخير. ومن سوء حظ هايتي المضاعف أن العالم أجمع منهمك في مواجهة تداعيات الجائحة الصحية، وقد لا تتلقى المساعدات المطلوبة لتجاوز هذه المرحلة الصعبة. فحادثة اغتيال الرئيس لن تحل الأزمات العنقودية المتمكنة من البلد، وأكثر ما يخشى أن تكتفي الدول المتنفذة ببيانات شجب الجريمة والدعوة إلى الهدوء، وواقع الحال أن شعب هايتي المنكوب بحاجة ماسة إلى المساعدة في شتى المجالات، والوضع السياسي يتطلب ضبطاً وتوافقاً بين الفرقاء مع تقيد صارم بمبادئ القانون الدولي وقواعده، وإلا فإن الأمور ستأخذ منعطفاً تراجيدياً خطِراً يهون إزاءه غياب الرئيس.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"