«المتحور التركي».. العودة لواشنطن

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

تركيا، حتى الآن، هي البلد المسلم الوحيد في حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة لم تنظر إليه سوى أنه مصدر للجنود الذين يرسلون إلى جبهات متعددة ليموتوا بدلاً من «الجندي الأبيض» الغربي.
وقد عرفت الفترة «الأطلسية» من تاريخ تركيا الحديث، موجات مد وجزر بين أنقرة وواشنطن وصلت إلى حد العقوبات العسكرية على تركيا، فيما أغلقت الأخيرة قاعدة «إينجيرليك» أمام القوات الأمريكية. ولم يتغير الوضع بانتهاء الحرب الباردة؛ لأن الصراع الأمريكي استمر مع روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي.
لكن تركيا مع سياسات «صفر مشكلات» كانت تزيح البوصلة قليلاً لتمنح علاقاتها الخارجية مساحة أكبر للمناورة، وعكس ذلك استياء أمريكياً قارب دعم إدارة باراك أوباما محاولة الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2016، لكن مجيء دونالد ترامب رئيساً بدلاً من أوباما أتاح علاقات شخصية جدية بين أردوغان وترامب.
غير أن مجيء جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة أثار مخاوف الرئيس التركي؛ كون بايدن كان نائباً للرئيس عام 2016، كما توعد بايدن أردوغان بإسقاطه في معركة الرئاسة بطريقة ديمقراطية.
لم تكن مؤشرات ما بعد انتخابات بايدن مريحة لتركيا، فهو لم يتصل بأردوغان إلا بعد ستة أشهر من انتخابه ليبلغه قرار واشنطن الاعتراف بالإبادة الأرمنية. ومع ذلك، فإن تركيا اعتمدت سياسة التهدئة مع بايدن وعلقت أهمية على لقاء بروكسل في 13 يونيو/حزيران الماضي بين الرئيسين.
ومع أن القمة لم تسفر عن حل المشكلات الشائكة بين البلدين لا سيما صفقة صواريخ «أس 400» الروسية لتركيا، والموقف من القوات الكردية في سوريا التي تصفها تركيا بالإرهابية، فإن ما تلاها من خطوات تركية كان يشي بأن أنقرة في طريقها للعودة إلى البيت الأمريكي أكثر من قبل. ويتجسد ذلك في العديد من القضايا التي تفرح الولايات المتحدة وتزعج في الوقت نفسه روسيا؛ بل الصين وإيران كذلك، وهذا ما تريده واشنطن.
لعل المؤشر الأول على «المتحور التركي» الجديد هو قبول أنقرة بمهمة حماية مطار كابول وتدريب الشرطة الأفغانية بدلاً من قوات حلف «الناتو» التي انسحبت من هناك. ومع أن تركيا سترسل جنوداً إلى هناك بصفة تركية وليس أطلسية، لكن حركة طالبان أعلنت أنها ضد استمرار وجود أي قوات أطلسية في أفغانستان. ولا شك في أن هذا يثير انزعاج روسيا وإيران والصين، حيث إن أفغانستان تحد الصين في منطقة الأويغور التي تمد تركيا بآلاف المسلحين وقريبة من روسيا ومحاذية لإيران التي تخشى دوراً تركياً معادياً في أفغانستان بالتواطؤ مع حركة طالبان نفسها.
والمؤشر الثاني هو موافقة تركيا على مقررات حلف الناتو في 14 يونيو/حزيران الماضي الذي يلحظ في بيانه الختامي تعزيز وجود «الناتو» في البحر الأسود براً وبحراً وجواً، والعمل على ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف، وكل هذا يشكل مصدر قلق لروسيا.
والمؤشر الثالث هو مشاركة تركيا في ما يسمى «منتدى تحرير القرم» الذي سينعقد في كييف في أواخر أغسطس/آب المقبل، لكن القلق الروسي الأكبر هو من المناورات الأطلسية الكبيرة في البحر الأسود وتشارك فيها بالطبع تركيا. فالبحر الأسود كان على امتداد الحرب الباردة بحيرة سوفييتية، لكن حلف الناتو يحاول الدخول بقوة، بمساعدة تركيا إلى هذا البحر. مناورات البحر الأسود استدعت زيارة عاجلة لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى أنتاليا والاجتماع بنظيره التركي مولود تشاويش أوغلو ليبلغه رسالة قلق روسية من التحركات «الأطلسية» المدعومة تركيا.
ومع أن تركيا تخشى تحركاً عسكرياً روسياً في سوريا ضد القوات التركية في منطقة إدلب، فإن المراقبين ربطوا الانحياز التركي للولايات المتحدة بعاملين رئيسيين: الأول هو شعور تركيا بالضغوط الأمريكية والغربية وتأثيره السلبي في الاقتصاد التركي وتراجع العديد من المؤشرات، والثاني (وقد يكون الأكثر تعبيراً) هو رغبة الرئيس التركي في توفير ظروف أكبر لفرص نجاحه في الانتخابات الرئاسية عام 2023، وهذا سيكون متاحاً في ظل علاقات أفضل مع جو بايدن. ولعل «السكوت المفاجئ» للولايات المتحدة على مسألة «إس 400» و«إف 35» قد يكون جزءاً من التفاهمات الجديدة التي قد تظهر تباعاً.

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"