تخفيف مؤقت لقواعـد بـراءات اختراع لقاحات «كوفيد»

22:26 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد الصياد *
أمام إلحاح كل من الهند وجنوب إفريقيا المدعومتين من قبل أكثر من 100 دولة نامية عضو في منظمة التجارة العالمية، ومنها بوليفيا ومصر وإسواتيني وكينيا وموزمبيق وباكستان وفنزويلا وزيمبابوي والمجموعة الإفريقية، ومجموعة البلدان الأقل نمواً؛ وبعد رفض ثلاث محاولات من جانب الدولتين اللتين ترافعتا باسم الدول النامية الأعضاء في المنظمة من أجل تعليق حقوق الفكرية الخاصة بإنتاج لقاحات «كوفيد-19» لمدّة ثلاث سنوات على الأقل، يجوز في ختامها للمجلس العام لمنظمة التجارة العالمية، إذا لزم الأمر، أن يمدّدها – لم تجد إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بداً من مقابلة المقترح الهندي/الجنوب إفريقي القاضي بتعليق العمل ببراءات اختراع اللّقاحات المضادّة لكوفيد-19. حيث أعلنت يوم الأربعاء، 5 مايو/ أيار 2021، بعد نقاشات داخلية مكثفة ساهمت فيها المفوضة التجارية الأمريكية كاثرين تاي، تخللتها ضغوط من جانب منظمات مجتمع مدني نافذة داخل وخارج الحزب الديمقراطي، واعتراضات قوية من جانب مصنعي الأدوية الأمريكيين، أنها قررت أن تدعم مقترح تخفيف قواعد براءات الاختراع على لقاحات كوفيد-19، على أمل أن يؤدي القرار إلى توسيع العرض العالمي من اللقاحات، وتضييق فجوة التطعيم بين الدول الغنية والفقيرة. ورغم أهمية هذه الخطوة، لجهة وضعها الناس فوق براءات الاختراع، إلا أنها خطوة أولية لن تضمن رفع قواعد براءات الاختراع العالمية على الفور.
ففي حين رحبت المدير العام لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونجو إيويالا، بالخطوة الإيجابية الأمريكية في بيان بعد يوم واحد من إعلان الممثلة التجارية الأمريكية كاثرين تاي أن إدارة الرئيس جو بايدن أيدت فكرة الرفع المؤقت لحماية الملكية الفكرية، فقد أصرت البلدان الرأسمالية المتقدمة، ومنها بريطانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي وسويسرا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة والنرويج وتايوان، على مواصلة اعتراضها على المقترح، بحجة أن تعليق براءات الاختراع لن تفعل الكثير للمساعدة في زيادة الإنتاج على المدى القصير؛ مع أن الاتحاد الأوروبي أعرب في البدء على لسان رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد الأوروبي «مستعد لمناقشة كيف يمكن أن يساعد اقتراح الولايات المتحدة الخاص بالتنازل عن حماية الملكية الفكرية للقاحات كوفيد-19» في إنهاء الأزمة. وبموجب قاعدة الإجماع في التصويت، يتعين موافقة جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (164 دولة) على المقترح لاعتماده. إلا أن الصين وروسيا صاحبتا اثنين من أبرز اللقاحات المنتَجة لمكافحة الوباء، أيّدتا مقترح الدول النامية، قبل أن تلتحق بهما الولايات المتحدة.
لكن، مع اتساع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون اللقاح، وأمام موافقة واشنطن وبكين وموسكو على المقترح، وكي يمحو عن حكوماته صورة الانحياز لمصلحة الشركات على حساب حياة الناس، فقد اضطر الاتحاد الأوروبي لتقديم ما اعتبره مقترحاً بديلاً يقول إنه سيحمي براءات اختراع شركات الأدوية بشكل أفضل، مع البحث عن طرق أخرى لتعزيز الإمدادات للبلدان النامية، مثل رفع قيود التصدير على اللقاحات وموادها الخام، ورفع الطاقة الإنتاجية للقاحات في جميع أنحاء العالم. وهو اقتراح سرعان ما أحبط التفاؤل الذي أشاعه التأييد الأمريكي للمقترح، حيث علق عليه أحد خبراء منظمة التجارة العالمية بالقول، إن موقف الاتحاد الأوروبي سيجعل التوصل إلى اتفاق سريع بشأن اقتراح التنازل أقل احتمالاً، ويمكن أن يغرقه تماماً.
وعلى خلاف مفوضية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، فقد اتخذ البرلمان الأوروبي قراراً (غير ملزم بطبيعة الحال) يوم الخميس 10 يونيو/ حزيران 2021، دعا إلى رفع مؤقت لحماية الملكية الفكرية للقاحات فيروس كورونا. وطالب المفوضية بأن تحذو حذو روسيا والصين والولايات المتحدة، وتقدِّم تنازلاً لتسريع إنتاج اللقاحات والمنتجات الطبية الأخرى. وقبل ذلك بيومين كان البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، أيد في رسالة بُثت بالفيديو أمام حفل موسيقي عالمي لجمع التبرعات لتعزيز الوصول العادل للقاحات، الخطوة الأمريكية، واعتبَر أن «العالم مصاب بفيروس الفردية، وأن أحد أشكال هذا الفيروس هو القومية المغلقة التي تمنع، على سبيل المثال، أممية اللقاحات».
وغنيٌ عن القول أن التعليق المؤقت لحقوق الملكية الفكرية عبر اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (اتفاقية تريبس)، يعد خطوة أولى حاسمة لتعزيز إنتاج لقاحات كوفيد-19، وإيصالها إلى مليارات الأشخاص حول العالم. لكن من الواضح أن الاتحاد الأوروبي أصبح الآن العقبة الرئيسية أمام صفقة عالمية للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات والأدوية والتشخيصات الخاصة بكوفيد. وقد كشفت دراسة جديدة كيف تضع بروكسل أرباح الشركات قبل حياة الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم. والدراسة التي أعدتها مجموعة الأبحاث والحملات Corporate Europe Observatory، كشفت أن شركات الأدوية الأوروبية الكبرى، تنفق ما لا يقل عن 36 مليون يورو سنوياً للضغط على الاتحاد الأوروبي؛ وهي توظف 290 من جماعات الضغط للضغط من أجل مصالحها في بروكسل، ولا يشمل ذلك ما يسمى بأعضاء جماعات الضغط في مكاتب استشارية اللوبي داخل المفوضية. ومنذ مارس/ آذار 2020، التقى المفوضون الأوروبيون ووزراؤهم بأعضاء صناعة الأدوية 161 مرة «للتباحث» في مسائل من بينها إنتاج اللقاحات وتوزيعها. ولذا من المستحيل تمييز موقف المفوضية عن موقف EFPIA، وهي أكبر مجموعة ضغط فارما في أوروبا. ولا عجب في أن المفوضية ومجلس الاتحاد الأوروبي (وهما هيئتان غير منتخبتين)، يبذلان كل ما في وسعهما لتعمية الجمهور عما يدور بشأن اللقاحات.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"