صدمة الجائحة.. رياح تدعم الاقتصاد

22:25 مساء
قراءة 4 دقائق

مايك دولان  *
يبدو أن أحد أكبر المخاوف المالية من الوباء بات يمثل نعمة كبيرة أخرى للتعافي العالمي.
مع صدور الأوامر بإغلاق الاقتصادات في العام الماضي، ومنذ أن سارعت الشركات في جميع أنحاء العالم لبناء احتياطي نقدي يساعدها على النجاة من عمليات الإغلاق الدورية، أثارت مستويات ديون تلك الشركات المرتفعة القلق بشأن حالات الإفلاس الجماعي، والتخلف المتوقع عن السداد بمجرد تراجع الحكومات والبنوك المركزية عن تقديم الدعم.
في الواقع، قد لا تنجح العديد من الشركات في القطاعات الأكثر تضرراً؛ إذ تضاعفت معدلات التخلف عن السداد بين المقترضين الأكثر خطورة (من أصحاب العائد المرتفع) في الولايات المتحدة وأوروبا منذ بدء انتشار الوباء.
ومع ذلك، تماماً مثل تضخم مدخرات الأسر المعيشية المكبوتة في الاقتصادات المتقدمة، لم يتم بعد استخدام معظم الأموال الاحتياطية التي جمعتها الشركات من خلال مبيعات السندات العام الماضي، على الرغم من تعافي النشاط التجاري بشكل حاد.
تُقدر مجموعة «جانوس هندرسون» البريطانية لإدارة الأصول، ومن خلال تحليلها لإجمالي صافي ديون 900 شركة غير مالية حول العالم لعام 2020، إضافة إلى المصروفات الرأسمالية الضخمة وعمليات إعادة الشراء وزيادات الأرباح الناجمة عن ذلك في المستقبل، أن يؤدي هذا التدفق النقدي إلى زيادة معدل الارتداد الاقتصادي وسوق الأسهم.
وقال مديرا المحفظة في المجموعة سيث ماير وتوم روس: «ينتعش النمو الاقتصادي بقوة في معظم أنحاء العالم، وستتبعه الأرباح. ويبقى السؤال المهم، ما الذي سيحدث للنقد الهائل والبالغ نحو 5.2 تريليون دولار الموجود في ميزانيات الشركات؟».
يُظهر الغوص العميق في الصراعات المالية للشركات على مدار عام من الاضطراب الذي أحدثه «كوفيد- 19» أن إجمالي ديونها ارتفع بنسبة 10%، أو بمقدار 1.3 تريليون دولار وصولاً إلى مستوى قياسي بلغ 13.5 تريليون دولار في عام 2020، وبعد ذلك توقف الاقتراض تقريباً في النصف الأول من هذا العام.
وبفضل الدعم الهائل للحكومة والبنك المركزي، فضلاً عن أسعار الفائدة المنخفضة، تجنبت معظم الشركات «كارثة 2020 المالية»، على الرغم من تقلص الأرباح بأكثر من 30%، وتركها الانتعاش الذي سببه اللقاح بعد ذلك تسبح في بحر من النقد.
ووفقاً لأرقام «جانوس هندرسون»، تم تخفيض توزيعات الأرباح بنحو 130 مليار دولار العام الماضي، وتوقفت عمليات إعادة شراء الأسهم، وأبقت مبيعات الأصول، والتي زادت بأكثر من تريليون دولار، الخزائن النقدية الفولاذية مملوءة تحضيراً لخفض الديون بعد ذلك، ووفّرت الشركات الأمريكية وحدها 111 مليار دولار. وبالنتيجة زادت نسبة صافي الديون النقدية ل 40% فقط من الشركات التي شملها البحث. وللتكيف مع تحركات أسعار الصرف، ارتفع صافي ديون الشركات العالمية بمقدار 36 مليار دولار فقط إلى 8.3 تريليون دولار.
وبالتوازي مع سخاء البنك المركزي المستمر، تُفسر الأرقام ونقص الاقتراض الجديد سبب استمرار انخفاض عائدات سندات الشركات وفوارقها على المعايير الحكومية، مع انخفاض درجة الاستثمار الأمريكية وفروق السندات غير المرغوب فيها إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل أزمة الائتمان العالمية قبل 12 عاماً.
وفي حين أن الاختلافات بين القطاعات، مثل عمالقة التقنية المزدهرة أو شركات الطيران المدمرة أو حتى الصناعات الترفيهية، كانت كبيرة، إلا أن الارتفاع المفاجئ في معدلات التخلف عن السداد العام الماضي سيتراجع مرة أخرى حتى عام 2022 بحسب ما تشير إليه الدلائل. 
وفي هذا الصدد، ترى المجموعة البريطانية، أن معدل التخلف عن السداد العالمي يحتمل أن يكون أقل من 1% هذا العام، وأعلى قليلاً فقط بعد ذلك.
من جهتها تعتقد شركة التصنيف الائتماني «إس أند بي جلوبال» أن الطفرة الاقتصادية بعد الوباء، وتحسين مقاييس الائتمان ستؤدي إلى انخفاض معدلات التخلف عن السداد في الولايات المتحدة وأوروبا إلى 4% و5% توالياً بحلول مارس/آذار من العام المقبل بعد أن وصلت لأكثر من 6% لكليهما في الوقت الحاضر.
ومع ذلك، وبالنسبة لجميع النجوم التي باتت تشع في سماء الاقتصاد وحتى أسواق الأسهم، يبدو مستثمرو السندات غير مرتاحين إلى حد كبير عند الجلوس على كومة أصول باهظة الثمن الآن. وبالتالي فإن إنفاق ما يقرب من نصف أكوام الفائض النقدي هذا العام سيُفضي إلى ارتفاع صافي الدين بمقدار 500 إلى 600 مليار دولار.
يدعي الاستراتيجيون في أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم «بلاك روك»، أنهم يقللون من قيمة ائتمان الشركات لأن التقييمات «غنية» للغاية بحسب وصفهم، ويفضلون المخاطرة في سوق الأسهم. وقال كبير المحللين الاستراتيجيين في «بيكتيت أسيت مانجمنت»، لوكا باوليني، إن الشركة قللت من وزن السندات ذات المخاطر العالية مثل السندات الأمريكية ذات العائد المرتفع.
كما أخبر «دويتشه بنك» عملاءه أيضاً أن التوتر الحاصل من تقليص البنوك المركزية دعمها وتقييماتها باهظة الثمن تاريخياً قد يؤدي إلى اتساع هوامش الديون «بشكل معتدل» في نهاية العام. لكن بالمقابل، من الصعب أن تكون متشدداً للغاية بشأن الائتمان هذا العام. 
يرى ماير وروس من «جانوس هندرسون»، أن الطفرة في الطلب الاقتصادي الأساسي يجب أن تعوض أي انخفاض متواضع في دعم البنوك المركزية، والمكان الذي يجب أن ننظر إليه عن كثب هو حيث تكون الشركات التي تحاول استعادة تصنيفها الائتماني الضائع على مؤشر الاستثمار.
* محرر الأسواق المالية في «رويترز»

عن الكاتب

محرر الأسواق المالية في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"