صفعة على وجه الديمقراطية

00:30 صباحا
قراءة 3 دقائق

لو أدرك التونسيون أن ثورتهم على الظلم ستثمر مزيداً من الظلم، وأن انتفاضتهم ضد الفساد ستتيح لعناصر أكثر فساداً الخروج من الجحور واعتلاء كراسي القرار والتشريع، وأن حلمهم بالديمقراطية سيفرز تجاوزات وشتائم وركلات وصفعات للمرأة وللكرامة وللحرية.. ما خرجوا في ١٨ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٠ ثائرين غاضبين، حالمين بحياة أفضل، ومشعلين ثورة أبهرت العالم، ثورة للحرية والكرامة، لأنها أفرزت ما يصادر الحرية وينتقص الكرامة. 
 تونس، هي التي قادت «الربيع العربي»، ولكنها اكتوت بناره، وكاد أن يتحول لديها إلى خريف، مثل غيرها، لو لم يسارع شعبها لثورة تصحح المسار، وتحمي ديمقراطيتها من ألد أعداء الديمقراطية الذين يتبعون إرادة «كبيرهم» وهم «صمّ بُكم عُمي لا يتفكرون ولا يفقهون ولا يبصرون ولا يعقلون».
 الاعتداء الذي تعرضت له النائبة عبير عيسي رئيسة الحزب الدستوري الحر تحت قبة البرلمان من نائبَين محسوبين على ائتلاف رئيس البرلمان، لم يكن مجرد صفعات وتجاوزات في حق نائب، بل صفعة على وجه الديمقراطية، وعلى وجه مؤسس تونس الحديثة الحبيب بورقيبة الذي كرّم المرأة وأعطاها من الحقوق ما حسدتها عليه نساء دول أخرى، وصفعة على وجه كل حرّ يرفض أن تكون تونس أسيرة لحزب النهضة، الوجه التونسي «لجماعة الإخوان» الإرهابية. 
 الغريب أن الغنوشي كرئيس للبرلمان لم يهتز له جفن وهو يرى سيدة تونسية ونائبة تُضرب وتُهان أمام عينيه، وتحت قبة برلمانه، ولم يبادر إلى معاقبة النائبَين المتجاوزين، ولم يُصدر بياناً، ولو على سبيل حفظ ماء الوجه، إلا بعد خمسة أيام من الواقعة.
 وإمعاناً في فضح الذات والكشف عن الوجه الحقيقي الذي نجح في إخفائه منذ ٢٠١٠، بادعائه أن حزبه يختلف نهجاً وسلوكاً عن الجماعة الإرهابية، اشتكى أعضاء كتلة الدستوري الحر في البرلمان أمام القضاء بسبب اعتصامهم في البرلمان رفضاً لإحدى الاتفاقيات، مطالباً بالسماح له باستخدام القوة ضدهم، وهو ما لم يطلبه للعضوين اللذين اعتديا على إحدى نائباته، وعندما استدعت المحكمة عبير موسي لمساءلتها بشأن الاعتصام لم تذهب، وخرجت على إحدى الشاشات العربية متهمة القضاء بالتقاعس والخضوع لإرادة الغنوشي، كاشفة أن أحد النائبَين اللذين اعتديا عليها مرفوعة ضده ٦ قضايا لم يتخذ بشأنها أي إجراء، مؤكدة أن رئيس البرلمان جند أشخاصاً لمنعها من دخول البرلمان مرات. عدة 
 أن تكون إرادة الغنوشي نافذة وكلمته مسموعة داخل السلك القضائي فهو أمر ليس خافياً، خصوصاً أن الرجل إرادته نافذة على الحكومة ذاتها، وهناك تناغم في القول والفعل بينه وبين رئيس الحكومة الذي سبق واشتكى أعضاء كتلة الدستوري الحر أمام القضاء بتهمة تعطيل إحدى الجلسات التي حضرها أعضاء الحكومة، ما يؤكد أن التنسيق على أشده بين رئيسي الحكومة والبرلمان.
 الاعتداء على عبير داخل البرلمان استفز كل مدافع عن حقوق المرأة وكل حالم بديمقراطية ليست عرجاء ولا عمياء، وأدانته الكثير من منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، وشجَبه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وأكد أن هذه ليست المرة الأولى التي يُرتكب فيها العنف تحت قبة البرلمان، داعياً إلى ضرورة رفع الحصانة عمّن يرتكب العنف ومحاسبته طبقاً للقانون، معلناً أن ما حدث مع رئيسة الدستوري الحر معدّ له من قبل، ما يؤكد أن النائبين ينفذان إرادة عليا، وإذا لم يتم اتخاذ موقف مجتمعي سيتكرر الأمر، وسيشوه صورة المنظومة بكاملها. 
 إحدى الصحف التونسية المستقلة أجرت الأسبوع الماضي استطلاعاً للرأي أكد خلاله 92.3 في المئة من العيّنة أن البلاد تسير في الطريق الخطأ، ليكون عنوانها الرئيسي «مستوى غير مسبوق لتشاؤم التونسيين»، وتصدّر الغنوشي قائمة الشخصيات التي لا يثق بها التونسيون مطلقاً، بنسبة ٨١ في المئة، ومع ذلك يتصرف كأنه الوصي على الشعب، وصاحب الأمر والنهي في حاضره ومستقبله، الأمر الذي لا ينبغي استغرابه من قيادة «إخوانية»، تجيد التقمص والادعاء والسطو على الشعوب والأوطان. 
تونس تعاني، فالرئاسات الثلاث منقسمة، وبالتبعية فإن الشعب منقسم، والعنف وصل إلى قاعة البرلمان، والوضع الاقتصادي صعب، «والإخوان» مازالوا يعتبرون تونس الجسر الذي سيعبرون عليه لتحقيق أحلامهم الوهمية، وللتخلص من هذه المعاناة لا بد أن ينفض بقايا أتباع النهضة غبار هذه الجماعة الإرهابية، ويعودوا إلى صفوف الشعب التونسي، ليتوحد في وجه كل من يريد السطو على منجزاته والنيل منه.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"