عبدالناصر وهيلا سيلاسي والآخرون

00:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

لم ينشأ نزاع المياه الحاد من فراغ تاريخ ولا هبط بحمولاته المزعجة فجأة على وادي النيل، ولا كان حكراً على المصريين والسودانيين والإثيوبيين وحدهم، حيث تتداخل في تعقيداته دوماً مصالح واستراتيجيات، وأحياناً مؤامرات.
 «لو امتلك الإثيوبيون ثروة تمكنهم من تنفيذ أفكارهم بشأن النيل، فليكن الله في عون مصر». كان ذلك استنتاجاً بريطانياً تضمنته وثيقة سرية حصلت عليها «البي. بي. سي» من أرشيف وزارة الخارجية وفق قانون المعلومات.
 لم تكن تعوز الاستنتاج، الذي يعود إلى عام (1961)، الدراسات التفصيلية للأوضاع المائية في دول وادي النيل.
 بالمفارقة فإن ذلك العام هو عام التحرر الوطني واستقلال أغلب دول القارة بزعامة الرئيس المصري «جمال عبدالناصر»، لا التنكر والاستخفاف.
 نسبت الوثيقة للسفارة البريطانية بالقاهرة إدارة مفاوضات «فنية غير رسمية» بين مصر والسودان ودول شرق إفريقيا بغية التوصل إلى صيغة مشتركة للتعامل مع مياه النيل، خاصة النيل الأزرق، كما التعرف على آراء المصريين في مشكلة نهر النيل مع إثيوبيا!، و«هو ما لم يحدث إطلاقاً» بتأكيد مستشار «جمال عبدالناصر» للشؤون الإفريقية «محمد فائق»!
  قالت الوثيقة إن «السلوك المصري تجاه إثيوبيا غامض نوعاً ما وسياساتها غير واضحة وغير مفهومة». كان ذلك استناداً، حسب نصها المنشور، إلى اجتماع جمع «محمد فائق» مستشار الرئيس «عبدالناصر» مع أحد دبلوماسي السفارة، لم تذكر اسمه ولا منصبه، نوقش فيه موضوع على درجة عالية من الخطورة: «مدى قدرة إثيوبيا على حجز المياه عن مصر».
 في وثيقة سرية بريطانية أخرى مطلع تسعينات القرن الماضي إشارات لافتة إلى احتمال أن يستخدم سلاح المياه الاستراتيجي ضد مصر، وأن المصريين لن يقبلوا بأية حال أن تكون بلادهم رهينة، غير أنه لا يمكن ثني إثيوبيا عن تنفيذ مشروعات قد تضر بالمصالح المصرية خاصة في سنوات الجفاف.
 المعنى بالضبط في السيناريو البريطاني أن الإثيوبيين لن يتراجعوا والمصريين لن يقبلوا.
 إنها الحرب المؤجلة إذن. من حق الإثيوبيين التنمية والكهرباء دون أن ينزعوا عن دولتي المصب الحق في الوجود والبقاء.
 الفارق بين عامي (1961) و(1990) هو الفارق بين تصدر القارة بالقيادة والانعزال عن قضاياها بالتنكر.
 في أوقات الصعود نشأت صراعات بين السياستين المصرية والإثيوبية على خلفية ما يحدث في الصومال ومواضع أخرى من القارة بين عامي (1953) و(1956).
جرى تطويق تداعياتها بعلاقات خاصة بين الرئيس «عبدالناصر» والإمبراطوري الإثيوبي «هيلا سيلاسي».
حسب «فائق»: «كنت أزور أديس أبابا كل أسبوعين تقريباً للحوار والتفاهم مع هيلا سيلاسي خشية أن تستخدم تباينات المواقف في اصطناع صراعات تضر بالمصالح العليا للبلدين».
 وصلت العلاقات المصرية الإثيوبية ذروتها عام (1963) حين تأسست «منظمة الوحدة الإفريقية»، وبدأ سؤال مقرها يتردد في أوساط القادة الأفارقة المؤسسين، الذين نالوا استقلال بلادهم بالفعل.
 سأل الإمبراطور الإثيوبي الزعيم المصري، إذا كان ممكناً أن تكون «أديس أبابا» مقراً للمنظمة الوليدة، التي أصبح اسمها فيما بعد «الاتحاد الإفريقي».
 لم يتردد «عبدالناصر» بثقله الاستثنائي في حركة التحرير الوطني الإفريقية في حسم ذلك الاختيار بالنظر للمصالح المصرية العليا عند منابع النيل.
 حسب الأستاذ «محمد حسنين هيكل»، الذي لم تسمح انشغالاته بطوارئ الحوادث أن يروي ويكتب بنفسه خفايا ما جرى، أن «عبدالناصر» تعرض لعتاب مرير من صديقه الزعيم الغاني «كوامي نكروما»، صاحب الدور الأكبر في بلورة مشروع الوحدة الإفريقية: «لماذا أديس أبابا وليست أكرا؟»
 بعد عناء تقبل «نكروما» القرار وتفهم أسبابه، فهواه «مصري» وزوجته «مصرية» ويرى في «عبدالناصر» زعيماً تاريخياً للقارة.
 سألت «هيكل» والحوار بيننا متصل: «لكن فائق لم يشر إلى تلك القصة فيما كتب وروى». أجاب: «ربما لم يصل إلى علمه ما جرى من عتاب بين عبدالناصر ونكروما».
 جوهر القصة أكده «فائق» بتفاصيل إضافية: «هذا صحيح، فقد كان نكروما أكثر من تحدث عن الوحدة الإفريقية، وما زال صوته يرن في أذني.. هنا والآن».
«لم يكن وحده، عدد كبير من القادة الأفارقة اعترضوا على اختيار أديس أبابا، وقد كلفني عبدالناصر بالذهاب إلى الزعيم الغيني سيكوتوري لإقناعه بذلك الاختيار».
بقوة الحقائق التاريخية، التي لا سبيل للتشكيك فيها، كان اختيار «أديس أبابا» مقراً للمنظمة الأفريقية قراراً مصرياً صرفاً.
 في أوقات الانعزال تراجعت مكانة مصر في قارتها وهمشت أدوارها على نحو فادح، ودفعت أثماناً باهظة آخرها الاستخفاف بحقنا في الحياة نفسها.
 هناك الآن عودة جديدة إلى رعاية الاتحاد الإفريقي لمفاوضات سد النهضة، التي لم تسفر عن أي تقدم ولا حققت أي اختراق.
 باستنتاج خاطئ قد ينظر لتلك العودة كما لو أنها تفويض لإثيوبيا بالمضي في إجراءاتها الأحادية دون اعتبار لمصالح دولتي المصب.
 إذا لم يكن هناك ردع دولي لإثيوبيا لاحترام حق المصريين والسودانيين في الحياة؛ فإن قوانين الرياضيات سوف تمارس فعلها، فلكلّ فعل رد فعل يساويه في القوة ويضاده في الاتجاه.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"