عادي

استهتار مصابي «كورونا».. عدوى متنقلة

اللامبالاة تستوجب تغليظ العقوبة
00:38 صباحا
قراءة 8 دقائق

تحقيق: جيهان شعيب
في الأزمات يصبح الالتزام واجباً أخلاقياً، وفرضاً تحتمه الظروف المرافقة لحجم الكارثة من تلك، وحين نقول: إن وباء «كورونا» خطر يكون التقيد التام بكل ما توجه إليه الدولة بجهاتها المعنية، أمراً حتمياً، خاصة ونحن اليوم في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وما قد يسجله البعض من تجاوزات بعدم الالتزام قد تؤذيه وتؤذي غيره.

منذ حلول الجائحة، كانت الإمارات في الريادة في كل ما اتخذته من إجراءات، وأقرته من تدابير، وفي الأسبقية والتحضر في التعامل مع كل مصاب، سواء بالمسوحات المجانية، والعلاجات التي وفرتها مراكزها الصحية، وكذا بالاحتواء النفسي، والطمأنة التي بثتها أجهزتها المختلفة في ربوعها كافة، لذا لا مبرر مقبولاً من أي مخالف، ولا عذر مسموحاً به.

مع أن «كورونا» ليست عاراً أو فضيحة، مع تأكيد ذلك دائماً. إلا أن هناك من لايزالون يتعاملون بمنطق المداراة والتهرب، من الاعتراف بالإصابة بالفيروس، حين شعورهم بأعراضه، بل ولا يكترثون من الأساس بحجم الوباء، وخطورته، ونتائجه المميتة، حيث يمارسون حياتهم شبه طبيعياً - إذا كانت الأعراض لديهم متوسطة، وليست بالشدة التي تقيد حركتهم - فيخرجون، ويختلطون بالآخرين، ويذهبون هنا وهناك، بلامبالاة، واستهتار، وهم بذلك ينشرون العدوى في محيط كل مكان يوجدون فيه، ويصيبون بالطبع كل من يخالطهم.

1

خطورة كبيرة

هؤلاء فئة تفتقر عموماً للأمانة، والصدقية، ولا بدّ من مضاعفة مساءلتهم، حين اكتشافهم، وفي ذلك وبحسب علي مصبح ضاحي، عضو مجلس إدارة وأمين السر العام لجمعية الإمارات للمحامين والقانونيين قوله - بداية - إن «كورونا» بلاء عصف بالعالم بلا استثناء، إذ لم يميز بين كبير أو صغير، ولا غنيّ من فقير، فهو وباء أعمى، أصم، فتاك لم يرحم أحداً، وبعض الدول اتخذت تدابير احترازية لمواجهته، مقابل عدم إقرار أخرى أي منها، سواء للمجتمع أو الأفراد، في حين كانت الإمارات سباقة في شأن جميع التدابير المجتمعية، وتنظيم عمليات التعقيم على مستوى متميز، وفرض التزامات، ومن ثم عقوبات على مخالفة هذه الأنظمة، والتدابير الاحترازية.

وفي المقابل رصد كثير من غير المبالين، أو المكترثين بشأن هذه التدابير، لاعتقادهم الخطأ بأنهم لن تطالهم العقوبات، أو الإجراءات المتعلقة بالمخالفات، ومنهم مصابون، أو مخالطون لمصابين، لم يبالوا بخطورة عدم الالتزام بالامتناع عن الخروج من المنازل، والبقاء في الحجر الصحي، وهذا التجاهل يضر بالمجتمع والأفراد، حيث يسهم في نشر العدوى بالوباء، والجهل هنا بالقانون لا عذر له، لاسيما أن الدولة بذلت جهوداً جبارة في نشر التوعية الصحية، والتدابير الاحترازية لجميع الفئات، ومن ثم لا عذر لأي متهاون، لأنه من الممكن أن تصيب العدوى المسنين، أو مرضى غير قادرين على تحمل هذا الوباء. ومن ثم قد يكون أي متهاون بالإجراءات السبب بوفاة أشخاص ليس لهم ذنب، سوى استهتاره لمعرفته أنه مصاب، أو مخالط، دون التزامه بالحجر، أو إبلاغ المخالطين به بأنه مصاب، لذلك وضعت الدولة قيوداً وعقوبات لكل من قام بهذا الفعل الخطر، والمجرّم قانوناً.

1

فالمصاب بالفيروس، وتسبب بإصابة آخرين، نتيجة عدم التزامه بقرار العزل الصحي، أو لتعمده نشر الفيروس، يخضع للمساءلة القانونية، وفقاً لقانون العقوبات الاتحادي، الذي يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، والغرامة التي لا تقل عن 50 ألف درهم، ولا تجاوز 100 ألف، أو بإحداهما. وفي حالة العودة تضاعف مدة عقوبة السجن، وفقاً لنص المادة 34 من قانون مكافحة الأمراض السارية.، كما يعاقب بالحبس والغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين، من ارتكب عمداً فعلاً يعرّض حياة الناس، أو صحتهم، أو أمنهم، وحرياتهم للخطر، وهناك التزام أخلاقي يقع على أي مصاب بالعدوى، فالعالم أجمع يعاني هذا الوباء، ومادام الشخص يتمتع بمناعة جيدة، فلن يتأثر بالفيروس، وسيتماثل، لذا فإن عليه في المقابل أن يتصرف بقدر من المسؤولية، ويلتزم بالحجر الصحي إذا فرض عليه ذلك، أو يخضع للفحص مباشرة إذا رصد أعراض الإصابة عليه، ومن الواجب على أي مصاب ألا يستهين، لأنه يمكن أن يكون سبباً في إصابة العشرات. ولاشك في أن هذا الوباء، الذي انتشر في العالم أجمع، انطلق من شخص واحد، لذا لا بدّ أن يعاقب كل من يمتنع عن التوجه إلى الجهة الصحية لتلقي العلاج عند معرفة إصابته بمرض من الأمراض السارية، وعلى كل من لا يلتزم بالتدابير الوقائية، وتنفيذ الوصفات الطبية، والتقيد بالتعليمات، التي تعطى له، للحيلولة دون نقل العدوى، فالحذر واجب، وعدم التهاون ضروري للحفاظ على أرواح الآخرين، ولكي ننعم بمجتمع خال من الأمراض، وتعود الحياة إلى طبيعتها.

جريمة متعمدة

1

وهنا تلفت المحامية د. حوراء موسى، إلى أن الصحة العامة مسؤولية مجتمعية، وواجب على كل أفراد المجتمع الامتثال للقوانين والقرارات، والتعليمات الصادرة بهذا الشأن، وعليه تقول: يقع على كل فرد من أفراد المجتمع، واجب التحرز من نقل عدوى «كورونا» باتباع التعليمات الصادرة باتخاذ التدابير الاحترازية. مع ضرورة اتخاذ اللازم عند الشعور بأعراض الإصابة بالفيروس، أو عند المخالطة، بإجراء مسحة الفحص، للتأكد من مدى الإصابة، ومن ثم العزل، أو الحجر الصحي، المدة التي تحددها التعليمات.

وعلى الرغم من كل التحذيرات، والتنبيهات، والتعليمات بضرورة اتخاذ التدابير الاحترازية لمنع نقل الفيروس، أو الإصابة به، فإن هناك فئة مستهترة، غير مبالية ضاربة بتلك التعليمات عرض الحائط، إذ يخرج بعضهم من المنزل، والاختلاط بالآخرين، رغم علمه بأنه مصاب، أو كانت قد ظهرت عليه الأعراض، لكنه غير مبال فيختلط بالآخرين دون أدنى مسؤولية، معرضاً حياة الآخرين للخطر.

لذا، فإن كل من يعلم بأنه مصاب، وتعمد مخالفة التدابير الوقائية، بمخالطة الآخرين، فإنه يكون مرتكباً عن عمد لجريمة يعاقب عليها القانون، والأمر سواء بالنسبة لمن يعلم بأنه خالط مصاباً، حيث يتوجب عليه اتخاذ التدابير الوقائية، وإلا عُدّ مرتكباً لجريمة معاقب عليها، وفقاً لأحكام المادة (33) من قانون مكافحة الأمراض السارية.

وحيث إن الدولة تسعى جاهدة بكل ما تملك من طاقة، وموارد للحفاظ على الصحة العامة، بفرض التدابير الاحترازية، والوقائية، للحد من انتشار الفيروس، وتوفير التطعيم المجاني للجميع، ممن تنطبق عليهم الشروط الصحية، كان لزاماً على أفراد المجتمع استشعار المسؤولية المجتمعية، ومعاونة مؤسسات الدولة، بتحمل كل فرد فيها المسؤولية، والتزامه شخصياً بالإجراءات، والتدابير الاحترازية، والوقائية، نحو مجتمع خالٍ من الوباء.

عزل إضافي

للإنسان خصوصيته في نفسه، وبيته، ومجتمعه، وظيفياً واجتماعياً، وما إلى ذلك من مفردات مجتمعية، هذا ما ذهب إليه بداية الشاعر عبد الله السبب، قائلاً: من حق الفرد الإفصاح عن تلك الخصوصية أو جزء منها، ومن حقه الاحتفاظ بها لنفسه، وفي محيط دائرة اهتمامه، وخاصته من الناس، حتى في ما يتعلق بما يتعرض له من نوائب الدهر، من فقر، وجوع، وأمراض، وأسقام من كل شكل ولون، ما قد يكون متوقعاً حدوثه، أو فجائياً، سواء حالة خاصة به فقط، أم عامة، كما هو واقع في الحياة الآن، من الجائحة العالمية «كورونا»، المستعصية على الفهم، والاستيعاب، والقدرة على التحمل، بما أدى لنتائج وخيمة متمثلة في حصاد أرواح آلاف مؤلفة من البشر، دون تفريق بين إنسان وآخر، أو مراعاة لحالة وأخرى، وذلك نتيجة اختلاف طبيعة وقدرة كل جسم، ونتيجة استهتار بعض الناس، ممن لا يلتزمون بالمحاذير، والإجراءات الاحترازية، التي تقرها الدول لمواطنيها، وقاطنيها من الشعوب الأخرى، إلا أن بعض الفئات البشرية التي اجتاحها ذلك الوباء، لا تراعي حرمة نشر العدوى بين الناس، فإن كان من حقها الاحتفاظ بخصوصيتها، وعدم الإفصاح عن ابتلائها بهذا العارض المرضي الخطر، إلا لخاصتها من الناس، إلا أنه لزاماً على هؤلاء إخضاع أنفسهم لحجر ذاتي في منازلهم، وعدم تعريض المجتمع من حولهم لخطر الجائحة، التي تفتك بكل من يمكنها الوصول إليه، فما يصدر عن ممارساتنا الخطأ، أو غير المسؤولة، نتيجة عدم المبالاة بالشيء، أو بسبب الجهل بفداحة ما نرتكبه من ممارسات، إنما هو بلاء عظيم على المجتمع والبشرية، بما يتسبب في خسائر فادحة في الأرواح، والأموال، والنهضة الوطنية الشاملة.

لذا، لا بدّ من معاقبة هذه الفئة بفرض غرامة مالية كبيرة، واحتجازهم في سجون، أو في أماكن خاصة معنية بالحجر، والعزلة، لفترة تتجاوز المدة المطبقة حالياً على المصابين بالفيروس، حتى وإن كانت نتيجتا الفحص بعد الاحتجاز سلبيتين، إلا أن مدة الاحتجاز الإضافية هذه، ستكون على سبيل العقاب، وليس الاطمئنان على الحالة بعد التعافي.

فحص مفاجئ

وشدد المهندس سعود بن أحمد، على وجوب التصدي لكثير من الذين يختبئون خلف الكواليس وهم مخالطون، أو مصابون بالفيروس، ويتجنّبون الحجر الصحي، ولا يلتزمون بالقوانين، والتدابير المعمول بها، مما يؤثر سلباً في المجتمع عامة، والمسنين، وأصحاب الأمراض المزمنة خاصة. وعلى هؤلاء التفكير، والحفاظ على الأرواح، حيث في تصرفهم، يعدّون مجرمين خفيين، وقتلة، وأناساً لا يتحملون مسؤولية أفعالهم، لذلك على الجهات المعنية، اتخاذ التدابير الصارمة في حقهم، مثل تشديد الغرامات المالية، والقوانين الحالية إلى أقصى حد، ويجب نشر فيديوهات توعوية متنوعة الأفكار، عن خطورة هذه الفئات على المجتمع، لدورهم في انتشار العدوى بالوباء بصورة سريعة، وعلى الجهات الأمنية مضاعفة المخالفات على الفئات المستهترة غير المدركة لخطورة هذا المرض، وأيضاً للحد من هذا الاستهتار، يجب تطبيق قيود الساعة في جميع إمارات الدولة، وفرض غرامة مالية كبيرة على أي من المخالفين، وكذا الحبس، بحسب القوانين المعمول بها في الدولة. ومن الأهمية بمكان تخصيص مقطورات لإجراء فحص مفاجئ لقائدي المركبات على الطرق الحيوية في جميع إمارات الدولة.

حسّ وطني

1

ودعا المواطن ناصر البلوشي، المصابين بالفيروس، إلى المبادرة بالتواصل مع الجهات الصحية، وخاصة مع مراكز الطب الوقائي، والمراكز الصحية، قائلاً: هذا الموضوع لم يعد مسؤولية شخصية للمريض، بقدر ما هو مسؤولية مجتمعية، وحسّ وطني، خاصة أن الدولة تقدم أوجه الرعاية الصحية المتكاملة، وتوفر سبل الاستشفاء للمريض، من خلال متابعته، وإجراء الفحوص الطبية اللازمة، والعاجلة، وتوجيهه لعدم الخروج والمكوث في منزله، فيما الاستهانة واللامبالاة وعدم الاكتراث بأعراض «كورونا» من بعض المصابين، يؤدي إلى تفاقم الإصابة بها، وانتشارها في المجتمع، وتعريض صحتهم وغيرهم للمخاطر، عدا ذلك فإجراء الفحص من دواعي الوقاية من هذا المرض، إلى جانب الإفصاح العاجل حال الشعور بأعراضه، والالتزام بالحجر الذاتي على وجه السرعة، واتخاذ التدابير الوقائية والاحترازية اللازمة، وإخطار الرعاية الصحية بهذا الصدد، ومن ثم يمكن الحد من تفشيه، وانتشاره، سواء داخل البيت الواحد.

الحكم الشرعي

عن حكم من ابتُلي بوباء «كورونا»، وخالط الناس مخفياً عنهم ذلك، أكد الباحث الشرعي الدكتور السيد البشبيشي، أن على المسلم أن يأخذ بأسباب ووسائل التحصين، والوقاية من المرض والوباء.

وقال: من تأكد أنه أصيب بالوباء، عليه أن يأخذ بأسباب العلاج، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس تداووا فإن ما من داء إلّا وله دواء». ثم عليه أن يعزل نفسه عن الناس، كي لا يتسبب بنقل العدوى إليهم، وإن احتاج ضرورة للاختلاط بهم، والتعامل معهم، وجب عليه إخبارهم بذلك، وعدم إخفاء الحقيقة عنهم، فإن صعب عليه ذلك، لأي سبب، عليه أن يأخذ بجميع الإجراءات الاحترازية، لأن القاعدة الشرعية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

وأما من اختلط بالناس وهو مصاب، مستهيناً بالأمر، دون الأخذ بأسباب الاحتراز، من نقلها لغيره فقد أثم إثماً عظيماً، بل ويُغرَّم، ويُعاقب، ويُعزر من قبل ولي الأمر، والقاضي، إن أصيب غيره، ومرض بسببه، فإن مات غيره بسببه، فقد ذهب بعض العلماء إلى أنه ربما كان حكمه حكم القتل الخطأ، الذي يُعاقب ويُعزر عليه، وأما من تعمد الاختلاط بالناس حقداً، وحسداً، وقسوة، لأجل أن يضرهم، ويؤذيهم، فقد ظلم ظلماً عظيماً، واقترف جُرماً ومنكراً كبيراً، بل ذهب بعض العلماء، والقضاة إلى تصنيف فعله أنه جريمة قتل عمد، يستحق فاعلها عقوبة القتل إما قصاصاً أو تعزيراً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"