خواطر في تطور التهاني

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

بعد التهنئات بالعيد السعيد، وأمنيات العمر المديد، هل يغتنم الخاطر المناسبة للسفر في مقبل السنين: كيف ستكون الأعياد في العصر الرقميّ؟ ما الذي سيتغيّر في المفاهيم والرؤى، في التهنئات، في الأمنيات؟ هل يحتاج الناس إلى استعدادات، إلى تأهيلات؟
 لا تزال آراء الفلاسفة اليونانيين في شأن الضروريات وأنواعها الثلاثة، صالحة للاستعمال الفكري، فالحاجات الضرورية الطبيعيّة لدى الإنسان لم تتغيّر عبر العصور، ولن تتغيّر حتى قرن وربما قرون على الأرجح، وهي: الهواء، الماء والطعام. لهذا عندما نقول: كل عام وأنتم بخير، ترتسم، ولو في خلفية اللاوعي، مشاهد الخصب والماء والنماء، قطعان الماشية ومراعي المروج، وتهلل الأسارير بالسرور عند سماع «جادك الغيث»، عندها تنساب سيمفونية الحرث والبذار إلى الحصاد. أليست مفردة خير تعني المطر أيضاً في موروثنا الشعبي والفصيح على السواء: «وسحاب الخير له مطرٌ..فإذا جاء الإبّان تجي»؟
اليوم أيضاً لم تتغيّر خلفية مشاهد اللاوعي في «كل عام وأنتم بخير»، لا أراكم الله جوعاً ولا مجاعة، وجعل الحقول والمزارع تتدفق بالأغذية، والموانئ والمطارات تستقبل، والأسواق مزدهرة، والمحال والمطاعم حافلة بالأطايب واللذائذ.
لكن الحياة تتطور وتغيّر أنماطها وأساليبها. عندما تتحول المفاهيم الاقتصادية، تتغيّر المفاهيم جميعاً، مع العلم أن التحولات الاقتصادية في التاريخ كله كانت تحوّلات علميّة، من اختراع العجلة، إلى الآلة البخارية، إلى معادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية، واقتصاد التريليونات الذي قام عليها حتى الساعة وإلى مديات بعيدة. لك أن تكمل القائمة بعصور البرونز، الحديد، النفط، الطاقة النووية. هل نسيت الطباعة والورق، الذبذبات الراديوئية، صناعة الأدوية، الكل في الكل في كل شيء؟
العلوم تخترع وتبتكر وتبدع، والاقتصاد للترويج والتسويق وإقامة مراكز قوى المال، التي تصبح هي ذاتها محاور جاذبية سياسية، اقتصادية، علمية، ثقافية، وما يجلبه التنافس عالمياً من صداع الصراع.
في المستقبل لن تغيب رومانسية «كل عام وأنتم بخير»، ستظل قلوب الطيّبات والطيّبين مفعمة بالصفاء والنقاء، تتمنى للناس أن يجودهم الغيث الإلكتروني بالخير الرقمي، فتزدهر حقول الحساب الثنائي والكموميّ بحلول لمئة تحدّ، على جيش من مئة ألف مبرمج أن يرفعوا رايات النصر على قلاعها وحصونها.
من كان يجول بخياله أن الإلكترون سيصير ملك ملوك الاقتصاد العالمي، فهو المادّة الأوّلية للبضاعة، هو البضاعة، هو الذي يروّج لها، هو الذي يبيعها، هو الذي يبتاعها، وهو الذي يستهلكها؟ 
لزوم ما يلزم: النتيجة التجديدية: كل عام وأنتم بخير رقميّ.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"