عادي

الألوان أبجدية اللوحة الإماراتية

الجمال يخاطب عين المشاهد
22:52 مساء
قراءة 3 دقائق
4

الشارقة: عثمان حسن

«اللون في اللوحة التشكيلية».. هو عنوان كبير، تندرج تحته أسئلة مهمة، حول أصالة الفن، وقدرته على الاستمرار، والتعبير عن هوية ذات خصوصية بالنسبة للفنان من جهة، ومن جهة أخرى، قدرة الفن على تقديم رؤية تربط الفن بالحياة.

تؤكد كثير من الدراسات المتخصصة على أن بروز اللون في مجال الفنون التشكيلية، قد بدأ منذ بداية القرن العشرين متزامناً مع التقدم التكنولوجي الهائل، وهذا يعني أنه بات جزءاً رئيسياً ومكوناً أصيلاً من النظام الشكلي للفنون المعاصرة.

إن التعامل مع اللون، ليس اعتباطياً؛ بل هو في صميم حركة الفنون وما تطرح من اتجاهات فكرية ومضامين فلسفية معاصرة، فالحركة اللونية باتت مهمة للكشف عن العلاقات التفاعلية مع عناصر الفن، ما يؤكد الأثر العميق والمدهش الذي تتركه الألوان عبر تدفقها على سطح منبسط، وبالتالي يصبح بإمكان المشاهد أن يتحدث عن بنية أساسية متداخلة من الخطوط، والألوان البراقة والموحية، التي تفتح مساحة للتأمل والتفكير، وكأننا أمام مشهد مفعم بالطاقة الانفعالية والروحية، التي تبحث عن النقاء والجوهر من خلال تلك الدلالات والرموز البصرية والأشكال اللونية والتعبيرية.

تجربة حيوية

في التجربة التشكيلية في الإمارات، نتحدث عن أسماء كثيرة، منحت أولوية للون في اللوحة، انطلاقاً من فلسفة ورؤية فكرية عميقة وآسرة.

على سبيل المثال، من يدقق في تجربة الفنانة القديرة د. نجاة مكي، فهي كما جاء في كتاب «القرن الجديد - اتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد عام 2000» لمؤلفه التشكيلي والناقد علي العبدان: «تبدع لوحات مفعمة بالحيوية اللونية والتراكيب المدهشة، وتصنع عالماً غامضاً آسراً وموحياً، وتبدع علاقات مدروسة بين الألوان ليس لها مثال سابق، وينبض كل لون تستخدمه بطاقته الذاتية».

في لوحات د. مكي، نلحظ تأسيساً مدروساً لمغامرة اللون، والاقتراحات التعبيرية والرمزية التي تخوض فيها؛ حيث يقف التراث ليشكل جزءاً مهماً في ذاكرتها الحياتية والفنية.

ومكي بحسها الأنثوي، ترى المرأة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقوة البحر وإيقاع الأمواج، وتعتبرها من أهم مفردات أعمالها، المرأة موجودة في تلك الوجوه المستديرة والغامضة في لوحاتها، وفي ضربات الريشة التي تحمل الشاعرية.

في أحد معارضها، قدمت مكي، المرأة، في حلة مزخرفة بالألوان والتطريز وإكسسوارات الزينة الشعبية، وهذا الإطار الشكلي حمل معه اقتراحات فكرية، وأسئلة تطرح لأول مرة في التجربة الفنية الإماراتية، وهذا ينسجم مع ما ذكر سابقاً، حول قدرة اللون مع عناصر اللوحة المختلفة، على إحداث علاقات تفاعلية، تترك أثراً مدهشاً في ذاكرة المتلقي، وأكثر من ذلك، فقد استطاعت مكي أن تؤسس- في الساحة المحلية- لمرجعية مفاهيمية في استخدام اللون، من الدلالات والرموز والأشكال البصرية الموحية.

في أحد الحوارات التي أجريت معها، أكدت د. مكي، أنها وهي تمارس الرسم «تتوحد مع اللون» لنكتشف أننا أمام لغة بصرية، تعيد تأكيد اللوحة التشكيلية، لتترك أثراً جمالياً، من خلال دقة انتقاء الألوان، ورمزيتها البصرية والدلالية، ما بين التعبير والتجريد، فاللون بالنسبة لها يجسد فلسفة خاصة، تعيد ترتيب اللوحة، لتسأل، وتجيب، وتراوغ، وتحاور، وتحيل على المستقبل، و– ربما- تقترح أسئلة غير معهودة، تضاف إلى الأسئلة الراهنة، ما يؤكد مجدداً قيمة الفن، ودوره في الحياة والوجود.

تفاصيل البوح

الفنان القدير والمؤسس عبد القادر الريس، هو أيضاً أحد رواد التشكيل الإماراتي، وهو كما يقول عن نفسه في كتابه «ألوان حياتي» الذي يعرض لتجربته المهمة في التشكيل، «إنه يسجل بالفرشاة تفاصيل حياته عبر البوح اللوني».

يبرع الريس، كثيراً في استخدام الألوان الزيتية والمائية، وفي أحد معارضه بعنوان «قوة اللون» الذي أقيم في المتحف الوطني في بولندا، في أكتوبر 2010، وظف اللون ليعبر عن أكثر من مرحلة عاشها، منها المرحلة الزرقاء ومجموعة الزعفران.

يجسد عبد القادر الريس، تجربة بصرية فريدة من نوعها؛ حيث يعيش مع الأبواب والنوافذ والبراجيل والسفن الخشبية وعناصر العمارة التقليدية، بخطوطها ومربعاتها الهندسية، وفي أعماله ثمة ذاكرة مكانية وتفاصيل للوطن.

يصنع الريس، تكويناً بصرياً ودلالياً، ينطلق من اللون، كما أن أسلوبه في معالجة اللون يعبر عن حالات غامضة وأخرى من الواقع الذي يتأثر به، فالألوان عنده، تعبير عن رمز وتجسيد لمرحلة بما فيها من أحداث وتأثيرات أزمات نفسية ووجدانية، وهذا الاستخدام اللوني يجسده الشكل أيضاً، فالمربعات والمستطيلات في تشكلاته الفنية تمتاز بغنى فني ورمزي يبهر المشاهد بما تشكله هذه الأعمال من قوة نفسية وروحية وما تجسده من بنية بصرية وجمالية، تحاكي الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض؛ حيث اللون بالنسبة للريس المتمكن من أسراره وإيقاعاته مكون رئيسي في جسد اللوحة، وهو الحامل الفكري والموضوعي للتكوين البصري في أعماله.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/36vt5y7m