وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 

العقلية النقدية والعالم العربي

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

عندما تُذكر كلمة النقد، يقفز الذهن تلقائياً إلى النقد الأدبي، مع أن هذا الأخير مجرد جزء صغير من مفهوم النقد بصفة عامة، تلك المفردة التي ترصد مختلف أوجه النشاط الإنساني. ويبدو أننا في العالم العربي توقفنا ومنذ سنوات عن أي ممارسة نقدية، وفي محاولة لإبراء الذمة ألقينا بعبء النقد على أضعف حلقاته..النقد الأدبي، وأصبحنا نقرأ للعديد من الأصوات التي تسأل عن ظاهرة غياب النقد الأدبي وأسبابها، لكن ما لا تذكره تلك الأصوات أن النقد بأنواعه المختلفة: فكرية واجتماعية وحضارية.. الخ غائب بدوره.

  في النصف الثاني من القرن الماضي، عاشت الساحة الفكرية العربية فترة انتعش فيها النقد بمفهومه الواسع، فقرأنا العديد من الأعمال التي حللت واقع مجتمعاتنا من الداخل برؤية نقدية، وتفاعلها مع واقعها وتاريخها والآخرين، وتعاطت تلك الأعمال مع البنى الاقتصادية والثقافية لمجتمعاتنا، وحللت تكويناتها الطبقية ورصدت نقاط ضعفها وأزماتها ومشاكلها العابرة وأيضاً إشكالياتها المزمنة؛ بل وصل الأمر إلى نقد العقل نفسه والآليات الحاكمة لسلوك البشر، أي أننا كنا أمام رؤى فكرية متكاملة، شكلت ما يمكن أن نطلق عليه عقلية نقدية، ثم توقف كل ذلك، وأعلن بعضهم وفاة النقد وموت الناقد.

  لقد شكلت العقلية النقدية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ظاهرة واضحة المعالم، ففي كل قطر عربي كانت هناك أطروحة لافتة أو أكثر، وشهدنا مشروعات نقدية تطمح في حدودها القصوى إلى الإصلاح الفكري والاجتماعي والثقافي، ثم تتدرج في تأثيراتها، فهنا حوار حول أبرز مفاصلها، وهناك معركة تختلف حول مقولاتها، لنتذكر مثلاً مشروع «نقد العقل العربي» لمحمد عابد الجابري وردود الفعل الواسعة التي أثارها وأبرزها مشروع «نقد العقل العربي» لجورج طرابيشي، ولم يتوقف أثر أي مشروع عند اشتقاق المصطلحات الجديدة وتدويرها في فضاء الساحة الفكرية، فهناك ظل من أثر إيجابي حتى على نوعية وأسئلة كتابات قد لا تتقاطع مباشرة مع موضوعات تلك المشروعات.

  إن غياب العقلية النقدية لا يؤثر بالسلب في الفكر أو حتى الأدب، لكن في كل أشكال الكتابة بصفة عامة؛ حيث يختفي النموذج أو السقف الذي يتطلع إليه الكتّاب، وتصاب الكتابة بالبرود، ولا يعلق منها شيء في الذاكرة، وتفتقد إلى التحريض على إعمال العقل، وتخلو من غواية الجدل البناء، وتصبح باهتة، لا يكمن بين سطورها أي مختلف أو مغاير، وتتسم بالبرود وتتحول إلى مجرد سطور متتابعة باردة، وتعلن ضمنياً عن وفاتها، لتحل مكانها كتابات مواقع التواصل التي تتميز في الظاهر بحرارة زائفة، كتابة مغلفة بحس نقدي خادع يثير القارئ لحظياً، وسريعاً ما يخبو وهجه، من دون أي تحريك للعقل أو تأثير في الوجدان.

 تؤدي عطالة العقلية النقدية إلى تلك الحال التي نلاحظها في منتج كتابي واسع يبحث عن جمهور، ويدفعنا إلى تكرار السؤال المخاتل: لماذا تتراجع معدلات القراءة في العالم العربي؟ وهو سؤال معروف الإجابة، فالكتابة نفسها متدنية المستوى، أما لماذا تعطلت العقلية النقدية، فتلك قصة أخرى.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ym8pdzuc