عادي

فيليب لاركين.. شاعر يرفض الحداثة

23:08 مساء
قراءة 4 دقائق
1701

على الرغم من عمل الشاعر فيليب لاركين (19 أغسطس 1922 ـ 2 ديسمبر 1988) في المكتبات واهتمامه الجاد بعلم المكتبات، فإن الكتابة كانت غايته، والأدب هدفه الأكبر الذي كرس له حياته، وبدأ ينشر في مقتبل شبابه، وكان أول ما نشره ديوان شعر بعنوان «سفينة الشمال» عام 1945 ثم نشر بعد ذلك روايتين في العامين التاليين «جيل» و«فتاة في الشتاء».

هذه الكتب الثلاثة لم يلتفت إليها النقاد إلا بعد سنوات بعد أن أصاب جانباً من الشهرة، ما جعلهم يعودون إلى الوراء ويهتمون بإنتاجه المبكر، وكان لهذا الإهمال أثر وخيم على نفسيته؛ إذ ولد لديه إحساساً مؤلماً بالإحباط والفشل، صبغ إنتاجه في ما بعد بلون قاتم، كذلك لم يعد إلى كتابة الرواية بعد هاتين المحاولتين الأوليين، على الرغم من أنه كان في بداية حياته يريد أن يكون روائياً، ولذلك نجده يقول: «أنا ما اخترت الشعر لكن الشعر هو الذي اختارني».

بدأ النقاد يهتمون بلاركين بعد أن نشر ديوانه الثاني «الأقل انخداعاً» عام 1955 وهو يختلف عن ديوانه الأول اختلافاً شديداً، لغة وأسلوباً وقالباً وموضوعاً، على حد تعبير د. محمد مصطفى بدوي في ترجمته مختارات للشاعر، وسرعان ما ذاع صيته في إنجلترا ثم أمريكا، فقد أعيد طبع الديوان عدة مرات في سنة واحدة، وازداد الشاعر شهرة حين ظهر ديواناه الآخران «أفراح عيد العنصرة» و«نوافذ عالية».

يفصل بين الديوانين الأخيرين عشرة أعوام ما يدل على أن لاركين كان شاعراً مقلاً، وعدا هذه الدواوين لم ينشر سوى كتابين، أحدهما مجموعة مقالات، كان نشرها متفرقة في إحدى الصحف عن «موسيقى الجاز» سنة 1970، والآخر كتاب في النقد الأدبي، وكان حريصاً على أن يكون بعيداً عن الشهرة والأضواء، ويتفادى الظهور في المناسبات والاحتفالات العامة لدرجة أنه حين عرض عليه منصب شاعر البلاط رفضه بإصرار.

لقد اعتبر كثيرون لاركين شاعراً متشائماً حتى اليأس، ووصفه البعض بأنه «شاعر المقابر»، وربما كان في هذا الوصف شيء من المبالغة. إن مأساة لاركين هي مأساة الإنسان الحديث الذي خلع عن نفسه جميع الأوهام، فلم يجد في حريته ما يعطي معنى لحياته، ولا للحياة العامة، وسر عبقريته في أنه أمكنه أن يعبر عن هذا في شعر محكم البناء، يستمد جزئياته من واقع الحياة اليومية، ويجمع بين العاطفة والانضباط الفني.. بين البساطة والصدق والمفارقة والسخرية معاً، ويخلو من الزيف والتعقيد.

موسيقى الجاز

في كتابه عن موسيقى الجاز يوضح لاركن موقفه من الحداثة، بأنه ليس ضد التجريب ذاته، لكنه يرفض كون الفنان ينمي علاقته بمادته، بدلاً من أن ينمي علاقته بجمهوره، فيقع الجمهور بذلك فريسة لهدفي الحداثة الرئيسيين وهما «إلغاز المتلقي وإرباكه»، وبذلك ينصب اهتمام الفنان على أدواته الفنية وصنعته، بدلاً من أن يكون المتلقي ومشاعره محط نظره.

ويقول أيضاً إن «نقدي الجوهري للحداثة هو أنها لا تعيننا على الاستمتاع بالحياة أو على تحملها، إنها توفر لنا مجرد تسلية طالما نحن على استعداد لقبول الغموض أو الصدمة»، وهو بذلك يشير إلى قول الناقد الكلاسيكي الكبير صمويل جونسون: «إن الهدف الوحيد للأدب هو أن يعيننا إما على الاستمتاع بالحياة أو على احتمالها»، ولذلك يرفض لاركين موقف إليوت الذي يؤمن بأن «الشعر في حضارتنا في صورتها الراهنة لابد أن يكون صعباً»، كما يرفض نزعة القصيدة الحديثة إلى اقتباس غيرها من القصائد السابقة أو ما يسمى «التناص» بلغة النقد الرائجة اليوم، فيقول إنه لا يؤمن بأن كل قصيدة ينبغي أن تكون عالماً خلق لتوّه ولذاته.

هناك عوامل عديدة لعبت دوراً كبيراً في تغيير نظرة الشاعر للحياة، منها أنه اكتشف طاقة جبارة في شعر توماس هاردي، إضافة إلى وفاة والده، ما أدى إلى اعتماده على أمه عاطفياً. ومن هذه الأسباب أنه أحس بأن كتبه الثلاثة الأولى، لم تنل ما تستحقه من تقدير جمهور القراء، ومنها فشله في علاقته بامرأة عقد خطوبة عليها، واضطر إلى فسخ الخطوبة لاقتناعه بأن الزواج سيقف حائلاً دون إنتاجه كشاعر.

وقد ربط اسمه بمجموعة شعراء أطلق عليهم اسم «الحركة» وهم جيل جديد من الشباب ظهر في الخمسينات، وكان يمثل رد فعل ضد الغلو في الحداثة، وقد ثاروا ضد آراء إليوت، ورفضوا النزعة التجريبية بما فيها من غموض وادعاءات ميتافيزيقية.

ولد لاركين في مدينة صناعية وسط إنجلترا، وقد قاست الأمرين أثناء الحرب العالمية الثانية؛ إذ ألقى عليها الألمان من القنابل ما هدم الكثير من مبانيها، بما في ذلك كاتدرائيتها الكبرى، ونشأ في أسرة من الطبقة الوسطى في بيت مملوء بالكتب، لا سيما في الأدب الإنجليزي الحديث.

ويذكر لاركين أنه كان يشعر بالعزلة في طفولته، وقد عزا بعض الدارسين ذلك إلى ضعف بصره، وإلى آفة التلعثم التي لازمته حتى السنة الخامسة والثلاثين من عمره، مثلما عزا البعض إحساسه بالعزلة في أواخر أيامه إلى صممه المتزايد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"