عادي

هل من جهة تتبنى البحث عن مخطوطات ووثائق الأدب الإماراتي المفقود؟

23:14 مساء
قراءة 5 دقائق
1703

الشارقة: يوسف أبولوز

تتوخى هذه المادة أو تأمل أن تقوم جهة ثقافية مستقلة أو تابعة إلى إحدى المؤسسات الثقافية الرسمية في الدولة بمهمة البحث عن مخطوطات وصور ووثائق ورسائل لكتاب إماراتيين، رحلوا عن هذه الفانية، وتخصّ أيضاً كتّاباً ما زالوا على قيد الحياة، لكنهم لأسباب مختلفة اختاروا الصمت والانسحاب من المشهد الثقافي الإماراتي.

هناك أدب إماراتي مفقود في مخطوطات ضائعة أو غير معروف مصيرها. هذه حقيقة يدعمها أمران:.. الأول حدس الباحث أو المتابع الصحفي الذي عايش الساحة الثقافية المحلية لأكثر من ثلاثة عقود، والثاني: تلك المعلومات المتناثرة في الأرشيفات الثقافية للصحف الإماراتية: الفجر، الوحدة، الخليج، الاتحاد، البيان، وغيرها من المجلات المحلية المبكرة الصدور في الإمارات، فضلاً عن الأرشيفات الثقافية للمؤسسات الإعلامية الإماراتية مثل التلفزيونات والإذاعات منذ السبعينات حتى اليوم.

إمكانية وجود مادة ثقافية إماراتية على شكل مخطوطات أو دفاتر أو قصاصات مخبّأة في خزائن الكتاب الإماراتيين هي إمكانية لا تحتمل الشك، ومن هنا نأمل أن نفتح باب هذه القضية للنقاش العملي، وأقصد به، تحرّك المؤسسات الثقافية الإماراتية والدوائر والكيانات الأدبية نحو البحث عمّا هو ضائع أو مخبأ من مادة ثقافية إماراتية - مخطوطة أو مُصوّرة أو فيلمية أو فيديوية هي جميعاً وثائق على درجة كبيرة من الأهمية من المهم أن يتولى البحث فيها فريق عمل إماراتي متخصص في الجمع والتصنيف والتوثيق الفني المهني.

أكثر شاعر إماراتي يمكن أن تتوجه إليه اهتمامات الباحثين عن مخطوطات ومادة ثقافية مفقودة هو الشاعر د. أحمد أمين مدني 1931-1995، ففي العام 1958 أنجز رسالة الدكتوراه الخاصة به من جامعة كامبريدج بعنوان «فكرة التوحيد في الإسلام»، وهي مخطوطة ثقافية مجهولة المصير ومكتوبة بالإنجليزية.

مراسلات شخصية

عاش د. مدني بين عامي 1949 و1950 في البصرة وبغداد، وعرف هناك بدر شاكر السياب وانعقدت بينهما صداقة شخصية وثقافية ويتوقع بعض الباحثين أن هذه الصداقة قد أثمرت رسائل متبادلة بين الشاعرين.. والباحث في هذا الشأن يحرّكه الفضول نحو اكتشاف رسائل متبادلة بين المدني والسياب، لا بل إن د. مدني في أثناء دراسته في بريطانيا في نهاية خمسينات القرن العشرين تعرّف هناك إلى المؤرخ أرنولد توينبي، وعرف هناك ت.س.إليوت، والفيلسوف برتراند راسل، ومرة ثانية، يتوقع باحثون إماراتيون أن تكون هناك مراسلات شخصية وثقافية متبادلة بين د. مدني، وهذه الرموز الأدبية العالمية.. فهي إذن، إن وجدت، مخطوطات على درجة عالية من الأهمية، لكن ليس المهم هنا التخمين بوجود مخطوطات من هذا النوع، بل، الأهم هو الشروع في البحث المهني عنها.. وفي كتابه «شخصيات أثرت الحياة الإماراتية» يتساءل الباحث صلاح عبد الحميد عن مصير مخطوطة للمدني بعنوان: «التركيب الديني والاجتماعي».

إن واحداً من أهم الباحثين الإماراتيين وهو الشاعر أحمد محمد عبيد قد شعر بمسؤولية ثقافية وأخلاقية تجاه مكانة د. المدني، فقد جمع قصائد ضائعة للمدني في كتاب سمّاه «قصائد ضائعة لأحمد المدني» صدر عن المجمع الثقافي في أبوظبي عام 2001، وهو جهد يشكر عليه عبيد صاحب الموقف النبيل في البحث عمّا هو ضائع من شعر المدني. ويشير الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد إلى نقطة مهمة جداً في تاريخ المدني تتصل بما هو ضائع ومفقود من تراثه وكتبه في العراق، ويشير إلى دراسات في الشعر الشعبي والأندلسي والفلسفة.. وهي جميعاً مادة تحتاج إلى إحياء بحثي وأرشيفي وتوثيقي يليق بمكانة د. أحمد أمين المدني الأدبية.

تراث موسيقي

من جانب آخر أشار الشاعر عبد الله السبب أكثر من مرة إلى وجود مخطوطات للشاعر والقاص الراحل جمعة الفيروز في حوزة الباحث عبد الله عبد الرحمن أو أنها موجودة في عهدة مؤسسات أخرى، وآمل هنا، من الشاعر السبب أن يكشف النقاب بتفاصيل أوضح وأوسع عن التراث الأدبي الضائع أو المفقود لجمعة الفيروز، بل أكثر من ذلك، هناك تراث موسيقي للفيروز هو في حاجة لانتباهة الباحثين الإماراتيين في شؤون الموسيقى والغناء الشعبي المبكر في الإمارات، وكان الفيروز اسماً علماً في هذا الحقل الغنائي والموسيقي الذي يحتاج هو الآخر إلى توثيق.

كان جمعة الفيروز يكتب الشعر، والقصة القصيرة، ويضع الألحان لبعض الأغنيات، وإن لم تخن الذاكرة كانت له محاولات في الرسم (اسكتشات)، وهذه المعلومات أو بعضها يستطيع الصديق الشاعر عبد الله السبب التعليق عليها، ومثلما أن وفاءً أخلاقياً وثقافياً ظهر بكل نبل من جانب الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد تجاه الراحل د. أحمد أمين مدني، فليس من المستغرب أن يظهر هذا الوفاء أيضاً من جانب الشاعر عبد الله السبب تجاه جمعة الفيروز. هذا أخلاقيات مثقفين نظيفين بينهم وبين بعض كما يقولون: خبز وشعر.

غزارة الإنتاج

أصدر عبد الله السبب كتابه «جمعة الفيروز بين احتراقات الذاكرة واختراقات النسيان» في العام 2021 ضمن سلسلة «اعلام من الإمارات» عن مؤسسة سلطان بن علي العويس، وهو لمسة صداقة ووفاء، لكن، إلى جانب ذلك، ومن خلال حدس الباحث، لا بد أن هناك مخطوطات وصوراً ورسائل وقصاصات تعود للفيروز موجودة عند عائلته وزوجته أختنا المحترمة وأبنائه، ومن المهم أن ترى النور. ما زلنا في فلك التساؤلات عن مخطوطات ومواد ووثائق ومادة فوتوغرافية وفيلمية للكتاب الإماراتيين ومن بين هؤلاء أحمد راشد ثاني الذي كان فيه أكثر من أحمد، فهو شاعر، بدأ تفعيلياً، وبقي نثرياً، وهو شاعر شعبي، وكاتب مسرح، وباحث شعبي، وناثر عذب، ويمتلك لغة نقدية عذبة أيضاً حين يكتب عن تجربة شعرية يحبّها.. وباختصار، وفي ضوء هذا التنوع الثقافي والأدبي في شخصية أحمد راشد ثاني، يتساءل المرء عن إمكانية وجود أوراق مخطوطة تحمل مادة شعرية أو نثرية أو تأملية أو بحثية تعود لأحمد الذي كان غزيراً في الكتابة.

من أقرب أصدقاء أحمد إليه، نذكر هنا الشاعر والفنان التشكيلي محمد المزروعي، وقد تناقل بعض الكتاب والمثقفين في الإمارات أن المزروعي لديه في حوزته مخطوطات تعود لأحمد راشد ثاني من المهم كشف النقاب عنها، بخاصة من جانب المزروعي أو التعليق على ذلك للأمانة الأدبية والثقافية.

لقد غاب الكثير من رموز الأدب والثقافة والفن الإماراتيين في السنوات الماضية: سلطان بن علي العويس، محمد بن حاضر، ناصر جبران، حبيب الصايغ، علي العندل، حسن شريف، سالم الحتاوي، وغيرهم في التشكيل والمسرح والأدب عموماً تركوا وراءهم أرشيفات ومخطوطات ومواد وثائقية على درجة كبيرة من الأهمية تستحق أن تكون موضع بحث وتصنيف وتاريخ وتوثيق من جانب جهة ثقافية إماراتية متخصصة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"