من يطوي سجّادة الديمقراطية؟

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

العالم مندهش من الاستبدادية المتجذّرة والصلبة في سياسات الحكّام ومواقفهم العبثيّة في لبنان أو حتّى في بعض الدول العربيّة امتداداً نحو الشرق الذي فيه تبيت الشمس لا الظلام أو التظلّم. ما يجمع هؤلاء جميعاً المكابرة على طمس عيون الناس؛ كي لا نقول فقأها حجباً للأنوار والحرية والتحرّر والتغيير.

 وفي ضوء هذا المناخ المعاكس لحركية الدنيا، يمكنني فهم تسييج أصول التحكّم لا الحكم عبر إيقاظ الصراعات الدينية والمذهبية والحزبيّة وتوظيف قوى الأمن أدوات طيّعة مسحاً للاحتجاجات والتظاهرات وحجباً لتجمّعات التقدّم أو التفكير بإصلاح المجتمعات. لنكتب بقلم التاريخ، أنّ الأنظمة القاسية ليست سوى أنساق بشرٍ يعتمدون القهر، ولطالما جرفتهم الأزمنة، كما جرفت الإمبراطوريات والأنظمة الشمولية الشائعة وأسقطت ورشها المتضافرة في العالم كلّه.

 يكفي أن يفتح الحكّام عيونهم وآذانهم على الموسوعات أو على التطبيقات التاريخية التي تؤرّخ بالصوت والصورة للأحداث والمشاهد الخاصة بنهايات الأنظمة الاستبدادية. لم تحصل هذه النهايات، كما يكتب المؤرّخون، منذ سقوط جدار برلين (1989/10/9) الذي اعتبر الخطّ الفاصل بين الديمقراطية والديكتاتورية، على الرغم من أنّ هذا العام كان علامة اهتزاز فارقة في تاريخ الحكم والحكّام المعاصرين؛ إذ حصل السقوط المحتّم للفكر اليساري بعد مرور مئوية ونصف المئوية تقريباً على البيان الشيوعي الأوّل.

 شاءت المصادفة أو غير ذلك أن يقع في السنة عينها العيد ال 200 للثورة الفرنسية التي دمغت العالم باحتفالاتها اللافتة داخل رفع مثلّث المساواة والأخوّة والحريّة. وقد جذب الفرنسيون العين وهم منهمكون في البحث عن الحاجة لتجديد هويّة دولتهم وثورتهم عبر احتفالهم الأخير في 14 تمّوز/ يوليو 2021 تحت برج إيفل بمشهدية قديمة فائقة الروعة سحبتنا فعلاً نحو تاريخ ثورة الفرنسيين وقيمها، وذكّرتنا بهشاشة الحكم الحاضر لا في فرنسا وحسب؛ بل في معظم دول العالم العظمى والمتوسطة والصغرى، وكلّها مشغولة بحكّ أنوفها؛ بحثاً عن أشكال الحكم المستقبل.

نذكّر حكّام الاستقواء بسلطاتهم (الدنية والعائلية والدينية) بأنّ روسيّا نفسها أضاعت عظمتها في العام المذكور، بانتخاب نوّابها ورئيسها، وتبعتها انتخابات في الجمهوريات الاشتراكيّة ال 15، ووصل فيلق التغيير إلى الصين التي اجتاحتها تظاهرات المطالبين بالنظام الديمقراطي؟

 لو خطونا نصف قرنٍ إلى الوراء، مذكّرين بسلاطين حوّلوا الديمقراطيات ديكتاتوريات محصّنة فانهارت الحكومات والأنظمة المستبدّة رمّةً في جنوبي أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرقي آسيا وإفريقيا لوجدنا:

1- أوروبا أوّلاً، لنذكّر بسقوط حكومة «كايتانو» في البرتغال في (1974) بانقلاب فتح الباب الديمقراطي بانتخاب عالم الاجتماع «ماريو سواريز» رئيساً للوزراء في ال 1976. 

وكذلك سقوط العقداء أو «الجونتا» الذين قبضوا على اليونانيين خلال سبع سنوات من 1967 حتّى الانتخابات الشعبيّة لحكومة «كارامنليس» في ال 1974. توفي جنرال إسبانيا «فرانسيسكو فرانكو» في ال 1975 فاتحاً الطريق نحو الديمقراطية في ال 1977.

2- وشهدنا في أمريكا اللاتينية، في عقدٍ ونصف العقد سقوط الاستبدادية وشيوع الديمقراطية التي عادت إلى البيرو في ال 1980 بعد دزّينةٍ من الحكم العسكري. وساهمت حرب «الفوكلاند» في ال 1982 بإسقاط الجيش في الأرجنتين وقيام حكومة «الفونسين» الذي انتخبه الشعب، ومثلها سقطت الحكومات العسكرية في الأورجواي في ال 1983 والبرازيل في ال 1984، وباراغواي وتشيلي ونيكاراغوا وبيرو وكولومبيا. ولم يبق مع بداية التسعينات سوى كوبا.

3- أذكّر بالتحولات المشابهة في شرقي آسيا وسقوط ديكتاتورية «ماركوس» في الفلبين في ال 1986 لمصلحة «كورازون آكينو»، وتخلّي الجنرال «شون» عن السلطة في كوريا الجنوبية قبل انتخاب «رو تاي وو» رئيساً، وبعد رحيل «شيانغ شنغ كو»، في ال 1988 في تايوان؛ إذ راجت الأفكار الديمقراطية السريّة التي أوصلت إلى «البرلمان» الأهلي، وكان من تداعياتها، إسقاط الحكومة الاستبدادية في بورما، وتلقّف الديمقراطيّة. 

أمّا في إفريقيا فقد أعلنت حكومة جنوب إفريقيا في بداية عام 1990 إطلاق سراح «نيلسون مانديلا» والاعتراف بالمؤتمر الوطني الإفريقي.

تنمو التجارب الديمقراطية وتتحصّن بشعوبها الفتيّة التي تراكم نبذ الاستبداد من ناحية وتقاليدها المذهبية من ناحية أخرى. ولهذا من يقوى على طي سجادة الديمقراطية في الأرض وفوقها تُفلش ثقافة كونية مفتونة بالحريّة في التعبير والتغيير الطبيعي عبر وسائل الإعلام والاتصال والتواصل الاجتماعي؟

 هكذا يمكن الركون إلى سقوط سلطات الحكم المسكونة بالقوّة والحيلة والاستقواء والاستجداء والاستعداء في لبنان على سبيل المثال، وهو ما يمكن لصقه بالمستبدّين الذين يدمّرون حتّى الديمقراطية المستوردة عبر تسلّطهم وحماياتهم بالمذهبية والأقارب والحزبيين والمستشارين والأتباع ورجال الأعمال والساسة الإقطاعيين المشرّعين لرموزهم، لكنّ الواقع الشعبي العربي والاهتمام الدولي، أقلق وسيُقلق مضاجعهم حيال الحناجر المشتعلة بالتغيير.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"