عادي

أكثر من حضارة

23:28 مساء
قراءة 5 دقائق

يوسف أبولوز

يتفق الكثير من الباحثين في الفلسفة وعلم الاجتماع أن مصطلح التنوّع الثقافي، يأتي في إطار الفلسفة السياسية، وبشكل عام هو تخصص بحثي وصفه المفكر الفرنسي أرمان ماتلار بأنه ظاهرة جديدة؛ وذلك في كتابه المهمّ «التنوّع الثقافي والعولمة»، ويرى ماتلار أن «الاعتراف بالتنوّع الثقافي بصفته مكوّناً أساسياً للحقوق الإنسانية هو ظاهرة جديدة، إلاّ أن مساره ليس كذلك، فهو يعود إلى الأمد البعيد، ويتسم بسمات النزاعات»، وربما تعود سمة النزاعات هذه إلى الاستقلالية التي تتطلبها، بالضرورة، كل ثقافة في العالم.

تجد الثقافات المتجاورة أحياناً صعوبة في التكيف بينها استناداً إلى فكرة الاستقلالية التي تعني ضمنياً شخصية كل ثقافة على حده، ومرجعياتها، وتاريخها السياسي واللغوي والاجتماعي.

يرى ماتلار أنه لا توجد حضارة إنسانية واحدة؛ بل هناك حضارات متنوّعة، ويربط بين العولمة والتنوّع الثقافي، ويعطي العولمة مفهوماً لافتاً عندما يصفها بِ«تقلّص العالم»، وتشير هذه العبارة ضمنياً إلى ذوبان الثقافات بعضها ببعض، ويشكل هذا الذوبان إن جازت العبارة شكلاً من أشكال التنوّع. يفرّق أيضاً ماتلار بين العولمة، وبين ما سمّاه «التدويل»، ويستخدم أكثر من مفهوم وأكثر من مصطلح يعودان إلى منهجه الفكري التحليلي، مثل ما أطلق عليه «التدجين»، أي تدجين الثقافات المختلفة أو تدجين المختلف فيها لناحية العولمة.

إن مفهوم التنوّع الثقافي يُحيل في قراءته الثقافية العامّة، بعيداً عن قراءته الفلسفية أو الفلسفية السياسية، إلى الاندماج، والتعايش، والتفاعل، وكل مجتمع يحظى بمثل هذا التنوّع يكتسب استثنائية مجتمعية وثقافية وفكرية لا تتوفر في بلدان أخرى أو عند شعوب أخرى، ولكن قبل المرور على بعض الآراء والأفكار المتصلة بهذا المصطلح الذي يجاوره تماماً مصطلح «التعددية الثقافية»، يتساءل المرء عن روافد أو ينابيع التنوّع الثقافي، وكيف يتبلور هذا المفهوم الثقافي لشعب ما أو دولة ما، ويصبح سلوكاً وهوية وثقافة أكثر من كونه مصطلحاً، وهنا مجرّد اجتهادات شخصية تشير إلى أن التنوّع الثقافي ليس نتيجة جغرافية أو سياسية للبلدان المتجاورة على اليابسة أو المتشاطئة على الماء أو على البحار فقط؛ بل يتبلور التعايش من خلال هجرات الأقليات أو حتى هجرات الأفراد من ذوي الأصول الإثنية أو العرقية إلى بلدان أخرى إما الهجرة بسبب البحث عن العيش والعمل والإقامة، وإما الهجرة لأسباب قسرية تفرضها ظروف سياسية معينة.

أطياف

يهاجر الإنسان من بلده إلى مكان آخر يختاره أو يُفرض عليه «النفي» مثلاً، أو «الترحيل» وقد حمل معه ثقافته ومكوّناتها: لونه، دينه، لغته، زيّه، فنونه، وتحديداً موسيقاه وغناؤه، ثم طعامه، ويلتقي في مكانه الذي اختاره أو أجبر عليه، بأطياف بشرية أخرى عديدة كل منها يحمل ثقافته، ومكوّناتها، عدا عن سكان البلاد الأصليين الذين تُعد ثقافتهم هي ثقافة الأصل، وليست ثقافة «المشهد» كما سمّاها أرمان ماتلار، ولعلّ النموذج الأمريكي هنا هو الأكثر وضوحاً في تفاصيله التنوّعية والتعددية الثقافية بدءاً من ثقافة الهنود الحمر السكان الأصليين، مروراً بثقافة ذوي الأصول الإفريقية، وليس انتهاء بذوي ثقافة الأصول الآسيوية وغيرها من أصول ترشح منها ثقافات متعددة، متلاقية، متعايشة تفرض بالضرورة تنوّعاً ثقافياً عاماً هو في الأخير العنوان العريض للثقافة الأمريكية.

غير أن هذا التنوع لا يظل ثقافياً بالمطلق. هناك سياسات دولية وراء ما يسمى التعددية الثقافية والتنوع، هذا ما يأخذنا إليه الباحث والمفكر الكندي ويل كيمليكا الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة أكسفورد 1987، في كتاب له جاء في بعنوان «أوُديسا التعددية الثقافية.. سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوّع»، ترجمة د.إمام عبد الفتاح إمام الذي يزوّدنا منذ البداية في مقدمة الكتاب بمعلومات وإحصاءات على درجة بالغة الأهمية، بخاصة إذا قارنا بين هذه المعلومات، وبين البعد الثقافي والفلسفي لمفهومي التنوع والتعدد الثقافي.

إن قاعدة التنوّع الثقافي أو التعدد الثقافي إنما يجب أن تقرأ جيداً في ضوء إحصاءات اليونيسكو بحسب د. إمام؛ إذ يوجد في عالمنا الراهن نحو 6 آلاف لغة، ونحو 96% من سكان العالم يتحدثون 4% فقط من تلك الآلاف الستة من اللغات، ويقول د. إمام.. «كان ستيوارت مِلْ 1806-1873 وهو من أعظم فلاسفة السياسة في القرن التاسع عشر يعتقد أن الجماعات الثقافية الصغيرة تتخلى عن ثقافتها الموروثة، لكي تنضم إلى ثقافة الأمم الأقوى»، غير أن هذا ليس تعايشاً ولا تعدداً؛ بل هو نوع من الاستلاب أو الخضوع الثقافي.

يناقش ويل كيمليكا ما اصطلح عليه بِ «تدويل التعددية الثقافية، ويرى أن ما سمّاه «المنظمات الدولية» من دون أن يُسمي أو يحدد هذه المنظمات منخرطة في تعزيز التعددية الثقافية، ويعترف كيمليكا «بأن المنظمات الدولية نادراً ما تستخدم مصطلح التعددية الثقافية في نصوص معاييرها وقواعدها؛ لكنها تستخدم مصطلحات أخرى مثل: «حماية وتعزيز التنوّع الثقافي» إضافة إلى حمايات أخرى تستخدمها هذه المنظمات، ويشير كيمليكا إلى تعدديات ثقافية عدة، وأنه، ليس هناك تعددية ثقافية واحدة ونهائية وقطعية في حدّ ذاتها، وأن لكل تعددية ثقافية أشكالاً مختلفة، ويأخذ كيمليكا نموذج «التعددية الثقافية الليبرالية»، ويرى أنها على نحو ما تطوّرت في الغرب، وهي كما يرى نتاج صراعات عديدة من أنواع مختلفة من الجماعات العرقية الثقافية، ويقول إن هذه التعددية، تتحرك من خلال مسارات قانونية وإدارية مختلفة «وليست كفاحاً موحّداً باسم التنوع» وعلينا أن ننتبه هنا جيداً إلى العبارة الأخيرة بين قوسين، والتي تخفي في باطنها شيئاً من الفرق بين التعددية الثقافية، وبين التنوّع الثقافي،.. فالأولى ذات إحالة سياسية، والثانية ذات إحالة اجتماعية.

في إطار التنوّع الثقافي، «وكلماته المفتاحية»، إن جازت العبارة، نستفيد من بحث جامعي منشور في مجلة آفاق العلمية للباحثة بلعز كريمة، وهي ترى أن التعايش مبدأ أساسي للمحافظة على التنوّع الثقافي، التسامح أيضاً، الحوار الحضاري، تضاف أيضاً إلى مبادئ المحافظة على التنوّع الثقافي وفلسفته ومضامينه.

اختلاف

في كتابه «الهيمنة والاختلاف في تدبير التنوّع الثقافي» يرى الباحث أحمد بوكوس أن مفهوم الهوية المغربية، كما هو متداول منذ زمن غير بعيد هو أن الهوية المغربية متعددة الروافد منها الإسلامية والأمازيغية والعربية والإفريقية، ويقول إن العلاقة بين هذه المكوّنات علاقات اختلاف، وليست علاقات دحض وإقصاء «إضافة إلى أن هذه الهوية منفتحة على الكونية بحكم قوانين التفاعل بين الشعوب والأمم؛ وبحكم التبعية في ظل شروط العولمة»، ويعني هذا القول الذي يصدر عن ثقافة أمازيغية لها تاريخها ومرجعياتها، ورموزها أن التنوّع الثقافي لا يعني إلغاء خصوصية واستقلالية كل ثقافة حتى لو كانت هذه الثقافة تقع في إطار مجتمعي تنوّعي؛ بل الخصوصية قائمة، ولكنها مكمّلة دائماً لمجموعة خصوصيات تالية تشكل معاً هذا النسيج الثقافي الإنساني أو الأممي أو الكوني، وفي توصيفات أخرى: «الكوزموبوليتي».

على أية حال، تتزايد من وقت إلى آخر في لحظتنا التاريخية الراهنة المقاربات والأفكار التي تجهد في تعميق وتأصيل مفاهيم التنوع الثقافي، والتعددية الثقافية لأسباب كثيرة عمودها الفقري الواحد يتألف من ثلاثة مفاصل في رأيي: أولاً: الثقافة، ثانياً: الفلسفة، ثالثاً: السياسة، فهناك حاجة عالمية متزايدة إلى مثل هذا التأصيل والتعميق لهذين المصطلحين: «التنوّع، التعددية»، وقد أشار إلى ذلك الباحث علي راتانسي في كتابه: «التعددية الثقافية.. مقدّمة قصيرة جداً» يقوله: «ظهرت التعددية الثقافية في الخطابات العامّة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين، عندما بدأت كل من أستراليا وكندا في التصريح بتأييدها لها. وإن في شعور البلدين آنئذ بالحاجة إلى تبنيّ الهوية «متعددة الثقافات»، وإلى إعلان تأييدهما للتعددية الثقافية أدلة مهمّة على المغزى والدلالة العامّين لهذين المصطلحين».

يظل أن التنوّع الثقافي يجد القبول الاجتماعي أكثر من أية ظاهرة أخرى، وينطوي في الوقت نفسه على دلالات إنسانية، ومشتركات كونية في التراث والآداب والفنون والثقافة الشعبية، وهي معاً، علامات مشرقة في أي تنوّع ثقافي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"