الطفل العربي في مهب الضياع

00:16 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

تعيس من يكون قدره أن يولد على أرض يستوطنها طامعون، وصنّاع حروب، ومدبرو مؤامرات، ومن سوء الحظ أن عدداً من دولنا العربية أصبحت تعيش في ظل حروب مستمرة، وصراعات لا تنتهي، وأزمات طاحنة، والأطفال دائماً هم الضحية الأولى؛ حيث يسود الفقر والجوع والجهل والتخلف، والنتيجة أطفال يموتون؛ بسبب عدم توافر الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، وآخرون يعشش في أجسادهم المرض، وصغار يدفعهم أهلهم إلى الشارع سواء للسرقة أو التسول، ويتم تجنيدهم ليكونوا وقوداً لحرب لا يدركون أبعادها، وأطفال تخطفهم عصابات الإجرام وجماعات العنف والإرهاب لتأهيلهم كقنابل تنفجر في وجه أهاليهم ومجتمعاتهم، وأطفال يُحرمون من التعليم ويصبحون بعد الكبر عالةً وعبئاً. 

 منذ عقد تقريباً، كانت الصور الأكثر تداولاً عبر وكالات الأنباء العالمية، والأكثر إشغالاً للبشرية هي صورة أطفال الصومال، وهم هياكل عظمية؛ جرّاء الجوع والحرمان من أبسط الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وكان الخبر اليومي الأكثر قراءةً هو عدد الموتى من هؤلاء الأطفال، واستنفرت المؤسسات الدولية جهودها، وبذلت مساعٍ لتحسين أوضاع الطفولة قدر الإمكان، وقبل أن تنجح في تحقيق المراد، جاءنا «الخريف العربي» بعواصفه المقتلعة لكل محاولات خلق بيئة تنشئة سليمة للأطفال في الدول التي نالت من استقرارها موجات الغضب والعنف، وبدلاً من أن تتحسن الأوضاع جاءت «كورونا» لتزيد الطين بلة، وتزيد الفقير فقراً نتيجة سياسات الإغلاق الإجبارية التي فرضتها معظم دول العالم، وتحالف الوباء مع أوبئة السياسة العربية، لترفع حصيلة ضحايا الجوع والفقر والعمالة من أطفال هذه الأمة. 

 التقرير الأممي الذي أصدرته «اليونيسيف»، مؤخراً، صادم ومرعب بشأن أوضاع الطفولة في دول عربية عدة، وعلى الرغم مما تضمنه من إحصاءات مخجلة، فإنه يعبّر عن جزء من الحقيقة فقط، وعلى الرغم من ذلك لم يهز جفن صنّاع الأزمات والقابضين على روح أطفالنا، الذين يواصلون غيهم غير مبالين بعواقب أفعالهم. 

 لم يكن أحد يتخيل أن ثلث أطفال لبنان ينامون جوعى ببطون خاوية، ولا يتلقون الرعاية الصحية اللازمة ضد الأمراض التي يسهم الجوع والعوامل الأخرى في انتشارها، و15 في المئة منهم تسربوا من المدارس؛ بسبب الأزمة الاقتصادية التي تركت تداعياتها على 77 في المئة من الأسر، وأن الأسر الفقيرة هناك دفعت أولادها الصغار إلى سوق العمل؛ بحثاً عما يسدون به رمقهم، وأمام كل ذلك لا يزال السياسيون يتصارعون ويضعون العراقيل، منعاً لحل أزمات متعددة تهدد حياة المواطن اللبناني اليوم، وتهدد وجوده غداً. 

 وفي العراق يعاني طفلان من كل خمسة أطفال الجوع بعد أن زادت حدة الفقر في الدولة الغنية بمصادر الطاقة والمعادن والأرض الخصبة، ناهيك عن آلاف الأطفال الذين راحوا ضحايا للعنف على مدار أكثر من 18 عاماً منذ الاحتلال الأمريكي. وحذر التقرير من تأثير مدمر على 1.7 مليون طفل سوري حال تعويق إدخال المساعدات، وأن سوريا لم تعد مكاناً آمناً لحياة الأطفال، ناهيك عن هؤلاء الذين جندتهم جماعات الإرهاب، والأطفال الذين فقدوا أهلهم، إضافة إلى المشردين في شوارع دول مختلفة، وعلى الرغم من كل ذلك لا يزال الوضع على حاله. 

 وفي ليبيا يحتاج 348 ألف طفل إلى مساعدة عاجلة، ويتعرضون للاستغلال والاتجار والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، والاحتجاز غير القانوني.

 وضع الطفولة في اليمن أكثر سوءاً، فجماعة الحوثي تجند الأطفال، وتستخدمهم دروعاً بشرية، ووقوداً لحرب لا تريد لها أن تنتهي، ونتيجة سوء التغذية توفي 85 ألف طفل خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى جانب أن 14 مليون يمني أصبحوا على حافة الجوع، وهو ما يهدد حياة أطفالهم، وأصيب 2.4 مليون طفل بأمراض ناجمة عن سوء التغذية، ناهيك عمن لا يحصلون على فرصة في التعليم؛ بسبب استشراء الفقر. 

 هذه مجرد نماذج لأطفال عرب مهددين بالموت، ومن سينجو منه، لن ينجو من المرض والضياع والتشرد، ولن ينال حقه في التعليم، وكل ذلك سيلقي بظلاله القاتمة على مستقبل هذه الأمة، ولا يلوح في الأفق ما ينبئ بأن صنّاع الخراب العربي يمكن أن يتخلوا عن أطماعهم لأجل أبنائهم، فالطفولة العربية في مهب الضياع، وأطفالنا مهددون بالمزيد من الموت والمرض والجوع والتشرد في الغد المنظور.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"