عبء وسائل التواصل الاجتماعي

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

من البدهي القول.. إن وسائل التواصل الاجتماعي أثّرت في الإيقاع اليومي للأفراد والمجتمعات، وأنها باتت تُستخدم من قبل كثيرين خلافاً لما صُمّمت من أجله، ونقيضاً لمسمّاها. فغابت فكرة التواصل الإنساني والثقافي والاجتماعي بنسبة كبيرة، وحلّ محلها نشاط آخر لا يحمل معايير تعزيز التواصل، وتحولت إلى منابر سياسية وفكرية ودينية بعدد الحسابات والأفراد المستخدمين، ما أدى إلى حالات كثيرة من سوء الفهم بين الأفراد والمجموعات والدول؛ بسبب عدم الوضوح في إبداء الرأي أو المغالاة في التعبير عن الانتماء، وتبرير وجهات النظر، ما قاد إلى حروب إلكترونية بين الأطراف. وتحوّل مبدأ التواصل إلى وسيلة لتضخيم الأزمات، وهذا يعني وجود خلل في إدارة الحسابات من الناحية الفكرية والسياسية أو من الناحية الزمنية.

 إن الفضاء الافتراضي الذي يعتقد المستخدمون بأنه بلا حدود يشجع على الإحساس بالانطلاق، وبعدم وجود رقيب أو حسيب، ويتراءى للمستخدم أنه يدير الكون من خلال مساحته الصغيرة، ولا يراجع نفسه إلا حين يصطدم بالآخر، ويتعرّض لهجوم من الآخرين. 

 أما الإدارة الزمنية لوسائل التواصل الاجتماعي فهي شبه معدومة، فحين يرسل المستخدم تغريدته السياسية أو الاجتماعية أو الأدبية، ويظن أنها ستثير ضجّة كبيرة، تنتابه حالة شرسة من الفضول، ويبدأ بمتابعة ردود الأفعال، فتراه يتفقّد حسابه بشكل متكرر وقلق، وهكذا يبقي زمنه منفلتاً ومتفلتاً حتى يتحوّل إلى عبد لحسابه، ونجد أن حسابه هو الذي يديره وليس العكس، ولهذا صارت مشاهد سائقي السيارات والدراجات النارية والهوائية وهم يقودون ويتفقدون هواتفهم، منتشرة وتدعو للفزع، وأضافت أسباباً أخرى لحوادث السيارات، وهي استخدام الهواتف. وعلينا الإشارة هنا إلى أن الإمارات ودول الخليج العربي، تعد استثناء في وضع ضوابط لاستخدام الهواتف أثناء القيادة، وهو ما لا نجده في دول عربية وغير عربية أخرى، أو لا نجد فيها الضوابط والعقوبات مطبقة.

 وبشكل عام يؤثر الخضوع لزمن الحساب في نوعية القيادة، وإنتاجية الموظف والعامل، وفي تركيزه، أما تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية، فقد أُشبعت بحثاً وكتابة، ونتائجها تحولت من السلبية إلى الكارثية، ولا يستطيع أحد، أكان فرداً أو جماعة أو دولة، أن يتدخل ويضع ضوابط، ولكن يمكن تكثيف برامج التوعية والتشدّد في تطبيق القانون، ويمكن أيضاً، جعل هذا المحور مركزياً في دروس التربية في المدرسة، وأعتقد أنها الأساس لبناء جيل يعرف كيف يدير زمنه وأزماته؛ إذ يمكننا النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها أزمة شأنها شأن الأزمات الأخرى؛ بل أعتقد بوجوب إعلان حالة الطوارئ النظامية في بعض البلدان؛ لأنها وصلت إلى حافة الضياع، وعدم التركيز والفلتان.

 أما قضية استخدام الهواتف الذكية في التربية، بمعنى تسكيت الأطفال وإشغالهم والسيطرة عليهم، فباتت ظاهرة منتشرة، تمارسها الأمهات في البيوت والحدائق والمطاعم، وتترك الهاتف في يد طفلها لساعات، ما يؤدي إلى الإدمان والعصبية والتوتر إذا ما حُرم منه، ولهذا أيضاً علاقة في إدارة الوقت في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال الزمن من قِبل أولياء الأمور، فكما غابت الحوارات بين الأهل والأبناء نتيجة الارتهان لوسائل التواصل الاجتماعي، فقد غاب الحوار العاطفي والإنساني والتربوي بين الأم وطفلها الصغير، ومع تراكم الغياب تحدث فجوة تواصلية بين الأم والطفل، مما يؤدي إلى اللجوء لطبيب الأسرة أو الطبيب النفسي.

 إذا كان علينا قبول الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي كأمر واقع فلا بد من إعادة النظر في كيفية استخدامها في البيت ومكان العمل وأماكن التسوق وغيرها، والتفكير في تخصيص وقت محدد لتفقّد هذه الوسائل وإدارتها بالطريقة التي لا تؤثر في مستقبل الأجيال.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"