لا خوف على تونس

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

القرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد في يوم الجمهورية كانت منتظرة ومطلوبة وواجبة في ظل ما عرفته البلاد من تدهور وترهل لمؤسسات الدولة. حدث كل ذلك في دقائق استجابة لنداءات بتعبيرات شتى تطالب بإنهاء المهزلة السياسية وتجميد عمل المنظومة الحاكمة بزعامة حركة «النهضة» التي ضلت ضلالاً بعيداً عن طموحات الشعب وانتظاراته، وتركته وحيداً يصارع أزمة اقتصادية طاحنة وجائحة صحية قاتلة وسمعة وطنية ملطخة بالفشل والفساد والإرهاب.

 ما شهدته تونس يوم 25 يوليو لم يكن «انقلاباً» أو «خروجاً عن الدستور»، بل تصحيحاً لمسار سياسي حاد عن جادة الوطنية، وارتهن إلى صراعات حزبية عقيمة. 

 ويحسب للرئيس سعيّد أنه التقط اللحظة المناسبة بكل دلالاتها القانونية والسياسية والتاريخية، وأقدم على اتخاذ قرارات قوبلت بارتياح شعبي لا يقبل الطعن، وسحبت البساط من تحت أقدام الائتلاف الحزبي الحاكم. كما يحسب لرئيس الحكومة المقال هشام المشيشي انضباطه للإجراءات المعلنة وخضوعه لمصلحة الدولة. أما رئيس البرلمان راشد الغنوشي، فقد تجاوزه الحدث وألجمته الصدمة، ومع ذلك حاول أن يستنسخ بطولة وهمية، لكن تغيرات الواقع وانكشاف حقائقه لم تترك له مجالاً للمناورة.

 فرحة الشعب التونسي بإزاحة المنظومة الحاكمة وتجميد عمل البرلمان لا يخطئها الإدراك، فما كابده التونسيون طوال السنوات العشر الماضية وخصوصاً في الأشهر الأخيرة كان فوق الاحتمال. ويكفي أن البلاد تسجل أعلى نسبة وفيات بسبب كورونا عربياً وإفريقياً، وتقريباً لا توجد أسرة لم تفقد عزيزاً أو قريباً، في ظل انهيار لا يصدق للمنظومة الصحية. ولم يكن ذلك بسبب شراسة الفيروس الخبيث، وإنما بسبب فشل الحكومة المعزولة وأحزابها في وضع الخطط والسياسات الكفيلة بإنقاذ الأرواح. وهذه الحالة المأساوية كانت وحدها كفيلة بخلق وعي جديد لدى جميع التونسيين بضرورة التغيير. أما عندما يضاف إلى ذلك استشراء الفساد والأزمة الاقتصادية المدمرة والانتهازية السياسية، فيصبح إنهاء الوضع القائم حتمية تاريخية تتطلبها مهمة الإنقاذ وفتح باب للأمل والتفاؤل بإمكانية الخروج من المحنة الشاملة.

 في الساعات الأولى للإجراءات الرئاسية، سارع البعض إلى اللطم والعويل على «الديمقراطية التي أجهضت» و«حرية التعبير التي وئدت»، وهناك أطراف دولية وإعلامية وحزبية حاولت إيقاد فتنة في البلاد وإسقاط سيناريوهات على نموذج تونسي مازال يحتفظ بمدنيته ورقيّه وفرادته حتى في أحلك الظروف، وسبب كل ذلك أن هناك لاعباً إخوانياً ممثلاً في حركة «النهضة» خسر المعركة ولفظه الشارع قبل أن تتحرك ضد نهجه رئاسة الجمهورية. ورغم الضجيج المفتعل، فلا خشية على تونس من مستقبل مجهول، بل ستسير إلى الأفضل على الصعد كافة. ولن تكون هناك صور للتشفي أو الحقد أو الدم، فالشعب التونسي بطبعه مسالم، ولكنه لن يغفر لمن أخطأوا في حقه وذبحوا كرامته بشعارات «ثورة الكرامة»، كما فعلت أغلب الأحزاب التي توالدت كالفطر الأسود وضربت مناعة البلاد ووضعتها لعشر سنوات في غرفة العناية المركزة فاقدة للحركة والتنفس والابتسام.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"