أفغانستان.. وقوس النار

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

أحمد مصطفى

على عكس كثير من الآراء والتحليلات والتعليقات التي نقرأها ونسمعها هذه الأيام عن «هزيمة» أمريكا في أفغانستان مع انسحاب القوات الأمريكية وحلفائها من هذا البلد الذي ما زالت تمزقه الحروب الداخلية، فالواقع أن أمريكا لم تهزم. ذلك ببساطة لأنها خاضت تلك الحروب، في أفغانستان والعراق وغيرهما، لتحقيق أهداف معينة ترى أن أغلبها تحقق. فلم تكن أمريكا في حرب نظامية بين جيشين يتغلب أحدهما على الآخر، كما هي معايير النصر والهزيمة التقليدية. أما الحديث عن الانسحاب باعتباره تخلياً أمريكياً عن تلك البلاد التي تدخلت فيها عسكرياً أو تراجعاً عن دورها القيادي كقوة عظمى وحيدة في العالم، فلعله يتجاهل استراتيجية أمريكية بدأ تنفيذها منذ النصف الثاني من العقد الأول من هذا القرن وتعتمد «فك الارتباط» مع العالم. ولا يعني فك الارتباط التخلي عن المصالح، وإنما تراجع التدخل المباشر والفاعل لصالح إعطاء الفرصة لوكلاء إقليميين يشاركون بفاعلية في حماية المصالح الأمريكية – ليس بالضرورة بالتبعية، وإنما عبر تقاطع المصالح في الأغلب.

 هناك عاملان رئيسيان وراء التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة. الأول يعود إلى وقت نهاية الحرب الباردة والهدف الاستراتيجي الأمريكي بوجود خط فاصل بين الصين وروسيا ومنطقة الشرق الأوسط، يكون أيضاً على المدى الطويل تهديداً منخفض القوة من خلال توتر فيما يسمى «البطن الرخوة» للقوة الصينية الصاعدة التي تعتبرها واشنطن منافسها الرئيسي. والثاني هو «إدارة» الإرهاب الصاعد واستغلال التناقضات في «حواف» المنطقة لإبقاء نار تحت الرماد من السهل أن تشتعل بين الفينة والأخرى.

 من أهم ما تركه السياسي الأمريكي من أصل بولندي زبجنيو بريجنسكي فكرة «الصراعات الممتدة منخفضة القوة» على طريقة الأمريكيين في الاختصار. بريجنسكي كان مستشاراً للرئيس ليندون جونسون في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي ثم مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر في النصف الثاني من السبيعنات حتى أوائل الثمانينات. وكانت الصومال الاختبار الأول للفكرة، وما زالت حتى الآن تشهد صراعاً ممتداً منخفض القوة يجعل منطقة القرن الإفريقي كلها في توتر دائم. لم تخرج أمريكا من الصومال في القرن الماضي بسبب هجوم على قواتها سقط فيه ضحايا فحسب، وإنما لأن أغلب الأهداف تحققت. وبمرور الوقت، وظهور حركة «الشباب»، أصبحت الصومال نموذجاً للبلد الذي لا يحترق تماماً ولا يخرج من النار، عبر مزيج من فشل الدولة ونشاط الإرهاب.

 هذا تقريباً ما حدث في أفغانستان، وبدرجة أو بأخرى في بقية الدول التي تدخلت فيها أمريكا عسكرياً في المنطقة. وكانت محاولة تصعيد تنظيم «الإخوان» في دول المنطقة من تونس إلى الأردن استكمالاً لما يمكن وصفه بأنه «قوس النار» حول المنطقة. وبوجود الإرهاب والصراع الطائفي تمتد فكرة بريجنسكي من أفغانستان إلى ليبيا، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان. يبقى من حلقات القوس حتى الآن إيران والأردن ومصر. ستظل أفغانستان الطرف الأكثر سخونة لقوس النار هذا، ولدى الأمريكيين من يساعد على استمرار استراتيجيتهم هناك. واتفق الأمريكيون مع الرئيس التركي أردوغان على دور له في أفغانستان، في الأغلب يتولى من خلاله الفصائل الأخرى، بعد التجربة مع «داعش» والفصائل الأخرى في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة. ومع سعي الرئيس التركي للحفاظ على الاستمرار في السلطة على الرغم من تراجع شعبية حزبه، يحاول أن يكون الوكيل الثاني للمصالح الأمريكية (إسرائيل بالطبع وكيل أول وحصري). لكن التورط في أفغانستان قد يضع تركيا في صدام مع إيران. ولا غرو في ذلك، فلن يقلق واشنطن وتل أبيب إضعاف الصدام للقوتين الإقليميتين: إيران وتركيا. بل ربما ترى أمريكا وإسرائيل ذلك ناتجاً جانبياً مفيداً على المدى المتوسط.

 بغض النظر عن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ومبرراته بتقليل كلفة ذلك الوجود وكل الأسباب والمبررات المعلنة، فما هو إلا خطوة في استراتيجية أمريكية لم تتغير. وفي النهاية، لم يعد التخلي الفاعل والنشط بشكل مباشر عبر وجود قوات مجزياً أو مطلوباً لتحقيق أهداف إضافية. يبقى ما يحاجج به البعض من أن الانسحاب الأمريكي يفتح الباب للتدخل الصيني وزيادة نفوذ تلك القوة الصاعدة في محيطها، وذلك رأي ربما يجانبه الصواب كثيراً. فالتيارات التي ستسود في أفغانستان لديها موقف شبه عقائدي ضد الصين. ويكفي فقط الحملة الإعلامية الكثيفة عن اضطهادها لأقلية الإيغور المسلمة لتعرقل أي علاقات لها مع أفغانستان في المستقبل القريب. يظل هناك بلدان على طرفي قوس النار هما باكستان والجزائر، وكلا البلدين يواجهان تحديات يخشى أن تدخله في تلك السلسلة. وإذا كانت الجزائر تفادت حتى الآن التأثيرات الكارثية لما يسمى «الربيع العربي»، فإن خطر «الإخوان» ما زال قائماً ويمكن أن يفجر الوضع هناك. أما باكستان، فإن عودة الاضطراب الداخلي الأفغاني إلى سابق عهده يهدد استقرارها داخلياً بالفعل.

[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"