الدول النفطية في اجتماعات المنـــاخ لإنقـــاذ ما يمكــن إنقــاذه

22:35 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد*

صحيح أن جهداً بُذل في محطات متباعدة من مفاوضات المناخ الجارية منذ انعقاد أول مؤتمر لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC) في بون عام 1995، من جانب بعض الدول النفطية لتثبيت حقها في التعويض جرّاء التخلي العالمي عن الوقود الأحفوري لمصلحة مصادر الطاقات المتجددة. لكن كل تلك المحاولات لم تلق آذاناً صاغية من لدن مجموعات التفاوض المختلفة، بما في ذلك مجموعة ال (77+الصين)؛ وهي أكبر مجموعة تفاوضية في الأطر التفاوضية لاتفاقيات المناخ؛ حيث جوبهت بصد وردود فعل معاكسة، ليس فقط من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي التي تناوئ الوقود الأحفوري، وإنما من جانب العديد من الدول النامية المستهلكة لمصادر الطاقة الأحفورية، خصوصاً منها الدول الجزرية الصغيرة. كما أن ذلك الجهد بقي فردياً ومنعزلاً، لم يبلور نفسه في صورة بناء كتلة تفاوضية قوية ومتماسكة تنافح عن مصالح الدول النفطية المهددة؛ من جرّاء زحف قرارات ومبادرات وبرامج وخطط تغيير بنية ميزان الطاقة العالمي على حساب النفط والفحم والغاز (مصادر الوقود الأحفوري)، وهم مصادر الطاقة الثلاثة، الذين توجه إليهم، بدرجات متفاوتة، أصابع الاتهام بالمسؤولية الأساسية عن تركيز انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. فهل قُضي الأمر؟...ليس تماماً؛ بل إن الدول النفطية لا تزال تملك أوراقاً لإعادة طرح القضية، إنما بتكتيك تفاوضي مغاير.

بعد عودة إلى تاريخ مشاركاتنا الخليجية والعربية، ومعها بعض كتل التفاوض المحسوبة، شكلاً لا مضموناً، على الدول النامية (مثل مجموعة ال 77+الصين)، أجد نفسي أمْيَل إلى حسبان أن التكتيك التفاوضي الذي تم اعتماده في هذه القضية البالغة الأهمية والحساسية، لم يكن صائباً. فما كان من الضروري التصويب على الدول الأوروبية بالنقد اللاذع، وهي الممثَلة في الاتحاد الأوروبي الذي يملك صفة التكتل التي تسمح له بالحضور والتحدث باسم مجموعة بلدانه ال 27 إلى جانب تمثيلها الفردي في كل فعاليات المناخ؛ وهو، أي الاتحاد الأوروبي، المعروف بمواقفه العدائية المتشددة من الوقود الأحفوري؛ وذلك على الأقل لعدم استفزازه واستفزاز بلدانه، ودفعها - وهو ما حدث بالفعل - للتأثير على الدول النامية المستهلكة للنفط وكذلك على طيف واسع من الدول النامية الأعضاء في مجموعة ال«77 + الصين»، ومن ضمنها مجموعة الدول الجزرية التي قيل لها إنها ستغرق بسبب الوقود الأحفوري. كان من المفترض أن تأخذ مقاربة طرح الموضوع مساراً آخر، شكلاً ومضموناً، أقل صخباً، وأكثر هدوءاً، تماماً كما ظلت تفعل دائماً الدول المتقدمة ومنها الاتحاد الأوروبي. وعلى أن يجري طرح الموضوع على أساس كلي وليس بشكل جزئي، باعتباره قضية تهم كافة الدول المنتجة للنفط، سواء كانت متقدمة أو نامية.

إلى ذلك أيضاً، ربما تكون أطر مفاوضات المناخ بكافة مستوياتها، وعلى رأسها بطبيعة الحال، مؤتمرات الأطراف واجتماعاتها التحضيرية، قد سُدّت طرقها، واستُنفدت فرصها بالنسبة للدول النفطية لإعادة عرض قضيتها، اعتباراً بالمناخ «غير الودي» الذي نجحت بلدان أوروبا الممثلة في الاتحاد الأوروبي، في إشاعته داخل كافة هذه الأطر؛ لذا، ولأجل تجاوز هذه العقبة التي تحاصر «رشاقة» حركة الدول النفطية، ومناوراتها التفاوضية، وتكبلها بالمواقف المعادية المذكورة، ومعها أيضاً مواقف الدول الجزرية التي تتلقى مساعدات مالية رمزية من بلدان الاتحاد الأوروبي - ربما كان مناسباً، والحال هذه، أن تعمد الدول البترولية لإنشاء مجموعة تفاوضية من خارج الأطر القائمة غير المنتِجة (مثل «Like-minded group»)، والعمل على استمالة الولايات المتحدة وكندا كدولتين نفطيتين لضمهما لمثل هذه المجموعة؛ وذلك بالتنسيق ليس مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ذات النزعة المناوئة للطاقات الأحفورية، ولا مع حكومة رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، وإنما مع شركات ولوبيات النفط الأمريكية والكندية. وطرح القضية في المستويات الأعلى، في مؤتمرات القمة التي تنظمها الأمم المتحدة سنوياً قبل انعقاد مؤتمرات الأطراف، وفي مجموعة العشرين.. قبل إنزالها إلى مؤتمرات الأطراف واجتماعاتها المتفرعة.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"