زمن بذار البحث العلمي

00:44 صباحا
قراءة دقيقتين

ما هي الجهة المسؤولة عن زراعة بذور البحث العلمي في الأدمغة الغضة؟ هي الجهة نفسها التي عهد الناس إليها بأمانة زراعة نباتات «لماذا وأخواتها» وعلامتي الاستفهام والتعجب. من أغرب الظواهر في الخريطة العربية، التناقض بين كنوز الماضي المتجسدة في الآثار، وبين اللامبالاة العلمية إزاءها. بينما الأوروبيون يتهافتون عليها منذ قرنين. الرحّالة يدوّنون أدق التفاصيل، وعلماء الآثار والأنثروبولوجيا، ينتقون التحف والمخطوطات، فتنتهي إلى المتاحف والجامعات، لا يستأثرون بها.
بذرة البحث العلمي تبذر في الأسرة قبل المدرسة. هي البيئة الاستكشافية الأولى، هي التي تُنبت للخيال أجنحة من الأسئلة. الأبوان هما الدليلان السياحيان، هما ميناء إقلاع سفن الخيال. في صفوف المدرسة يكون الوقت قد تأخر كثيراً. على الأبوين تلقين الصغير استنطاق الآثار ومحاورة المعالم، في بلدهم أو خارجه. هذا ينطبق على سائر العلوم، وإنما جاء الموضوع منحصراً في الآثار الباقية، من القرون الخالية.
كم في البلاد العربية من المواقع الأثرية المسجلة لدى منظمة اليونيسكو ضمن قائمة مآثر التراث العالمي، لكن الآية الكريمة، منذ قرون، هي الغالبة على مواقف العرب من ميراثهم: «وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرّون عليها وهم عنها معرضون» (يوسف 105). نحن لا نرى اكتشافات مدوّية عليها توقيع عربي، قل إلاّ ما ندر حذراً. هذا يعطي أسوأ الانطباع عن أداء الدماغ، الذي يصوّر نفسه في أذهان الغير وكأن تراثه لا يعنيه. خاصّة عندما تكون الأمثلة صارخة ملهمة في مستوى «مدائن صالح» في المملكة العربية السعودية، أو في البتراء في الأردن. ثمة فرادة غير متكررة في الموقعين. إثارة الخيال لا تحتاج إلى أكثر من بضعة أسئلة وشذرات من المعلومات التاريخيّة. حتى عند وجود معالم أثرية ممتدة على مساحات جغرافية كبيرة، مثل مفاخر مصر القديمة، والآثار الرومانية في لبنان، سوريا، تونس.. فإن إثارة الخيال تتطلب براعة أسلوبية وباقات شديدة الجاذبية في لفت الانتباه.
منذ سن الثالثة على الأسرة أن تطلق العنان لخيال الطفل، مغتنمة الفرص السانحة، على المائدة، أمام التلفزيون، في الحدائق والأسفار، في شتى المجالات. أمّا في المدرسة، فمن الضروري أن تقوم كل مواد الحصص على البحث والتحقيق وإثارة الأسئلة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الهدفيّة: السؤال الذي يشغل البال هو، لماذا لا يطرح الذهن العربي الأسئلة؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"