انفجار المرفأ..ألا يكفي؟!

00:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

مثلما نجح الإنسان في تجميل القبح في مناطق متفرقة حول العالم، نجح أيضاً في تشويه الجمال في مناطق أخرى، فإرادة الإنسان هي التي ترسم ملامح بيئته، وهي التي تحدد شكل حياة المسؤول عنهم، سواء كانوا أبناءً حال كانت المسؤولية لا تتجاوز حدود الأسرة، أو موظفين حال كانت المسؤولية عن شركة أو مؤسسة، أو شعب حال كانت المسؤولية عن دولة؛ ومن حظ لبنان السيئ ابتلاؤه بحكام نجحوا في تشويه جمال الطبيعة التي منّ بها رب العالمين على هذه الدولة، طبيعة جمعت جبلاً أخضر بتضاريس تمنح أهله الخصوصية والحماية، مع ساحل ممتد عبر مساحته على البحر المتوسط. 

الزائر للبنان اليوم، وبمجرد خروجه من مطار رفيق الحريري، سيجد البلد الذي كان يختال ضاحكاً في وجه مرتاديه، مبشراً لهم ومستبشراً بهم، حزيناً.. شوارعه مظلمة، وجبله عابس، وساحله غاضب، وأهله محبطون من مشاكله التي تراكمت وتنذر بإعادته إلى مجاهل التاريخ بعد أن كان في الماضي سبّاقاً إلى المستقبل.

المشاكل التي صنعها السياسيون اللبنانيون لبلادهم بصراعاتهم الضيقة على المكاسب الشخصية، وتمترس كل واحد منهم خلف فكرة الطائفية المقيتة التي أتت به زعيماً، وسهر على تغذيتها حتى لا تتلاشى زعامته، هذه المشاكل أصبحت تنافس جبل لبنان ارتفاعاً، وتزيد على عدد سياسييه الانتهازيين عدداً، وللأسف أنها مع كل يوم يمر تزداد عدداً، بعد أن أصاب العجز المسؤولين وأصبحوا غير قادرين على حل مشكلة واحدة من مشاكل عدة يعانيها الناس. 

 وكأن انفجار بيروت وحده لا يكفي، فقد توقعناه الزلزال الذي هز أركان الدنيا. ليخلخل معه أركان الحكم الطائفي في لبنان، وينقذ هذا البلد وأهله من براثن من سطوا على مقدراته عقوداً، وسلموه رهينة لمن لا يريدون له وجوداً ولا دوراً تنويرياً، وارتضوا أن يحولوه إلى بيئة خصبة للتناحر السياسي والصراع الطائفي والاصطفاف المذهبي، وبعد مرور عام على الانفجار المدمر، ازداد لبنان انهياراً، وازداد شعبه معاناة، ولم يجد شبابه من مفر سوى الهروب إلى مشارق الأرض ومغاربها، بحثاً عن الأمان المعيشي والاستقرار النفسي والمستقبل الأفضل. 

بعد عام على كارثة المرفأ، التي خرج خلالها رئيس الجمهورية متوعداً المتسببين فيها، وواعداً بالتحقيق والإعلان عن الجناة «خلال خمسة أيام»، ما زالت الحقيقة بشأنها ضائعة، ولا يلوح في الأفق أي أمل بإعلانها أمام الشعب سواء تم التوصل إليها أم لم يتم، بعد أن دخلت ماراثون الاستغلال السياسي، وخرج رؤساء أحزاب وطامعون سياسيون يشككون في الإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق، ويعلنون مواقف ضمنية ترفض رفع الحصانة عن سياسيين للتحقيق معهم، ويجزمون بعجز القاضي عن الوصول إلى الحقيقة، وكأنهم وحدهم يعلمونها وغير مسموح لأحد سواهم بمعرفتها. 

بعد عام على كارثة المرفأ، أصبح الناس طوابير على محطات الوقود، وقد تقضي ساعات وساعات في الطابور وعندما يأتي دورك يبلغونك بنفاد الكمية، لتعيد البحث عن محطة أخرى، وتبدأ رحلة البحث عن محطة جديدة، بعد أن أصبح الحصول على قليل من الوقود بالواسطة. وعلى الرغم من تسليم الناس منذ زمن بعجز الدولة عن توفير الكهرباء لهم، ولجوئهم إلى «موتورات» توليد تعويضية، فإن الأزمة وصلت إلى حد العجز عن توفير المازوت الذي يستخدم وقوداً لهذه «الموتورات» مما اضطر أصحابها إلى قطع الكهرباء عن الناس ساعات يومياً، وعلى المرضى والذين يحتاجون إلى الأوكسيجين ولا يمكنهم الاستغناء عن الكهرباء تدبير أمورهم!

الأمر لم يتوقف عند البنزين والمازوت والكهرباء، بل امتد إلى الأدوية وحليب الأطفال والمواد الغذائية، وأصبح الزائر لأهله في لبنان لا يحمل في حقائبه أحدث موديلات الأزياء وأفخم أنواع العطور والساعات كهدايا مثلما كان معتاداً في الماضي، وأصبحت الهدية القيّمة اليوم هي الدواء وحليب الأطفال وكل ما يحفظ للناس حياتهم، بعد أن ولى زمن الرفاهية التي عرفها لبنان على أيدي صنّاع الفتنة والخراب، وأصبح الشغل الشاغل توفير ما يحفظ للكبار وللأطفال حياتهم. 

بعيداً عن نجاح أو فشل رئيس الوزراء المكلف في التأليف، وبعد عام على انفجار المرفأ، أصبح لبنان اليوم على حافة انفجار لن يبقي ولن يذر، انفجار كما الطوفان الذي يمكن أن يجرف أمامه كل المستغلين الانتهازيين من صنّاع الفتنة والخراب والمتاجرين بالدين والوطن ومقدرات الناس،. وإذا لم يحدث الانفجار والتغيير فقد يكون لبنان على طريق الضياع وتمام الانهيار.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"