جرأة لغويّة أخرى

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

هل يذكر القارئ طُرفة «دوبل وتربل» (جرأة المبادرة اللغوية)؟ هذا اليوم قضيّة أخرى فيها برهان جديد على أن مجامع اللغة العربية، إذا لم تأخذ زمام المبادرة لحماية لغتنا، فإن الخارجين على قانون العلوم اللغوية، سيقطعون «لسان العرب»، ويستولون على«تاج العروس»، ويطفئون «المصباح المنير»، يهدمون «أساس البلاغة»، يكسرون «الصحاح» و«مختار الصحاح»، وتظل «العين» بصيرة وأيدي «الجمهرة» قصيرة، وإذا انعدمت «مقاييس اللغة» فسوف يبتلع «العباب» المنقذين.
هذا أيضاً انطباق لقول طرفة البكري: «ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد». الخبر الحادث اللغوي الجلل، هو أن أستاذة لغة عربية في ولاية إيلينوي بالولايات المتحدة، السيدة «فاطمة خان» قالت إنها لم تجد القاموس العربي المناسب لطلابها، فأنشأت لهم على الشبكة العنكبوتية المعجم الذي يروقها. الاستدلال الذي ساقته أقلّ ما يقال فيه، هو أنه «عذر أقبح من ذنب». بل إن ما استدلت به، ليس حجّة واهية فحسب، فهو فوق ذلك برهان على أنها لا علم لها لا بالعربية ولا بغيرها من اللغات، ومن بينها الإنجليزية التي هي لسان البلد الذي هي فيه.
رفعت اللغة العربية عقيرتها وصاحت وناحت: «أفاطمُ مهلا بعض هذا التدلّلِ.. وإن شئت تأليف المعاجم فاسألي.. أغرّكِ مني أن حبّك قاتلي.. وأنك مهما تأمري الصفّ يفعلِ.. وإن تكُ قد ساءتك منّي معاجمٌ.. فسلّي حروفي من حروفك تنسلِ». معاذ الله أن يقول أحد إن فاطمة خان خانت العربية، ولكن كيف لا تدرك أستاذة العربية خطر اقتحام العمل المعجمي بلا مكنة ومكانة؟ حجتها عجيبة، وهي أنها رأت «أن الجذر العربي الواحد في القواميس له معان عدّة». عجباً، وهل أبصرت غير ذلك في الإنجليزية والفرنسية؟ 
لكن، ما الذي يجرفنا إلى هذه المتاهات، وينحرف بنا عن الجادّة الواضحة؟ يوصي الفرنسيون بعدم الركض وراء مئة أرنب في آن. المبحث أصلاً أساسه غير هذا، «نعيب زماننا والعيب فينا»، فلو كان لعلماء اللغة العرب استشراف فعّال، لكانت عقود القرن العشرين كفيلة بحلّ هذه الأمور النثريات المتواضعة قياساً على عظائم الأعمال المعجميّة العملاقة، كالمعاجم التاريخية وقواميس تطوّر المعاني.
في كل يوم يهدم حجر في جدار العربية، والنائمون يهمهمون بالمسكّنات: ما الذي يضير الجبل أن تأخذ منه حصاة كل يوم؟
 لزوم ما يلزم: النتيجة العقلانيّة: ألم يكن أفضل للعربية أن تجد الأستاذة ضالتها بين يديها، بدلاً من أن تجتهد بغير علم؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"