الممارسة المجتمعية عبر الإنترنت

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

جرت العادة في الممارسة السياسية التقليدية أن ننظر إلى النشاط السياسي الذي يستوجب الحضور الجسدي والانخراط المباشر في العمل الحزبي، والنشاط الفاعل داخل الجمعيات الأهلية والتنظيمات العلنية والسرية المحظورة، لتحقيق أهداف سياسية أو لتنفيذ أجندات يتم الإعداد لها بشكل مسبق عبر شبكة معقدة من العلاقات بين الأفراد الذين يدافعون عن مشروع مشترك. بيد أن التحولات التكنولوجية والثورة الرقمية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، أسهمت بشكل مفاجئ في تغيير أبجديات العمل السياسي الذي تحوّل بشكل سريع إلى نشاط يقوم الأفراد العاديون وحتى التقليديون بممارسته عن بعد، عبر الفضاء الافتراضي الذي تشكّله الشبكة العنكبوتية.

وقد أسهم هذا الأسلوب الجديد من العمل السياسي في إيجاد طرق ووسائل مبتكرة لتجنيد الأتباع، واستقطاب فئات مختلفة من المجتمع، كان من الصعوبة بمكان، حتى وقت قريب، إقناعها بضرورة اتخاذ مواقف سياسية حاسمة، اعتماداً على آليات التجنيد الكلاسيكي. وترتب عن كل ذلك تطور هائل في الممارسة العملية للفعل السياسي، أفضى إلى نشأة مفاهيم جديدة ومصطلحات فريدة من نوعها، من قبيل الديمقراطية الإلكترونية، وأضحت تغريدات قادة الدول تشكل بديلاً معترفاً به للتصريحات الصحفية، وفاق صيت المدونين في منصات التواصل شهرة كتاب الأعمدة في الجرائد والمجلات الورقية، كما تجاوز عدد مشاهدي قنوات اليوتيوب ما تحققه أكبر القنوات التلفزيونية من نسب المتابعة في ساعات الذروة.

وتقودنا هذه التحوّلات بحسب المختصين إلى التساؤل عما إذا كانت الديمقراطية الإلكترونية المستندة إلى منجزات الثورة الرقمية، قادرة على توفير أفضل السبل لمواطني الدول للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بشأن ما يحدث في المجال العمومي، ولحل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية ودعم إمكانياتهم وقدراتهم على المساهمة في تسيير الشأن العام، أم إن هذه «الديمقراطية» الوليدة لا تسهم سوى في ترسيخ وتضخيم الأوهام المصاحبة للعبة الديمقراطية في شكلها المتعارف عليه، ولا تسهم في خلق ممارسة ديمقراطية حقيقية، ولا تساعد من ثَم على تجديد طرق الالتزام العملي في المجال السياسي بالنسبة للأفراد والمجموعات.

وعليه، فإنه من أجل تحقيق فهم أفضل لمسارات تطور النشاط عبر الإنترنت، علينا بداية أن نقوم بتحليل الفضاءات الرقمية التي تسمح بممارسة هذا النشاط السياسي، من منطلق أن المنصات والمنابر المتاحة في العالم الرقمي تخضع لقواعد وضوابط غير معلنة في مجملها، وتتحكم فيها خوارزميات لا يمتلك الناشطون معرفة مسبقة بآليات اشتغالها، ويتوجب علينا أيضاً القيام بقراءة معمقة لأشكال الالتزام السياسي الخارج عن نطاق المؤسسات التي عرفناها في مراحل سابقة، والتي بات يُنظر إليها من طرف جيل الشباب على أنها عتيقة ولا تستجيب لمتطلبات هذا العصر المتميز بسرعة تدفق وتداول الأخبار والمعلومات، بعد أن تحوّلت الرقمنة إلى جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية.

وتفرض هذه التحولات على الفاعلين السياسيين داخل الدول الوطنية، العمل على تحديث المؤسسات على المستويين السياسي والاقتصادي، وبخاصة أننا نلاحظ تراجعاً واضحاً في قدرة الأحزاب والنقابات العمالية على التأثير في الرأي العام، وعلى استقطاب المؤيدين؛ لأن تطور أسلوب العمل يقود تدريجياً إلى خلق ما يسميه البعض بالجمهور الجديد أو «الجمهور الرقمي». 

وتسهم هذه التطورات أيضاً في تغيير نمط انخراط الأفراد في الحملات الانتخابية البرلمانية والرئاسية؛ لأن أسلوب العمل من أجل إقناع المواطنين باختيار أحد المرشحين أضحى يعتمد بشكل أساسي على آخر منجزات الثورة الرقمية.

ومن الواضح في الأخير أن النشاط السياسي لم يعد شأناً نخبوياً، فقد فتحت المنصات الرقمية الباب واسعاً أمام الناس العاديين والمهمّشين من أجل التأثير في اللعبة السياسية، كما أنه أصبح لخبراء المعلوماتية دور حاسم ومؤثر في النشاط السياسي، لاسيما أن هؤلاء الخبراء أصبحوا يمثلون طليعة العاملين عبر الإنترنت. وعلى الرغم من كل هذا الصخب الرقمي، فإن هذه التحولات الحاصلة، زادت من مخاطر تعرّض البعض للتلاعب وللتغليط من طرف القائمين على شركات التقنية الكبرى من خلال التوظيف المتحذلق للبيانات الضخمة.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"